على الوصل بمعنى ما يدل على الفصل ، وقد نبه الله سبحانه وتعالى موسى عليهالسلام ـ كما في تفسير الأصبهاني وغيره ـ بما فعل الخضر عليهالسلام على ما وقع له هو من مثله سواء بسواء ، فنبهه ـ بخرق السفينة الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب ـ على التابوت الذي أطبق عليه وألقي في اليم خوفا عليه من فرعون الغاصب فكان ظاهره هلكا وباطنه نجاة ، وبقتل الغلام على أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر في قتله القبطي وإن لم يكن إذ ذاك يعلمه لكونه لم ينبأ ، وبإقامة الجدار من غير أجر على سقيه لبنات شعيب عليهمالسلام من غير أجر مع احتياجه لذلك.
ولما كان من المعلوم شدة استشراف موسى عليهالسلام إلى الوقوف على باطن هذه الأمور ، قال مجيبا له عن هذا السؤال : (سَأُنَبِّئُكَ) يا موسى بوعد لا خلف فيه إنباء عظيما (بِتَأْوِيلِ) أي بترجيع (ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) لمخالفته عندك الحكمة إلى الحكمة وهو أن عند تعارض الضررين يجب ارتكاب الأدنى لدفع الأقوى بشرط التحقق ، وأثبت تاء الاستفعال هنا وفيما قبله إعلاما بأنه ما نفى إلا القدرة البليغة على الصبر ، إشارة إلى صعوبة ما حمل موسى من ذلك ، لا مطلق القدرة على الصبر (أَمَّا السَّفِينَةُ) التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها (فَكانَتْ لِمَساكِينَ) وهو دليل للشافعي على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن هؤلاء يملكون سفينة (يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) ليستعينوا بذلك على معاشهم.
ولما كان التعييب من فعله ، أسنده إليه خاصة ، تأدبا مع الله تعالى فقال : (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها) فإن تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها لوحا يسدونها به أخف ضررا من تفويتهم منفعتها أخذا ورأسا بأخذ الملك لها ، ولم أرد إغراق أهلها كما هو المتبادر إلى الفهم ؛ ثم عطف على ذلك علة فعله فقال : (وَكانَ وَراءَهُمْ) أي أمامهم ، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم وواروها ، وفسره الحرالي في سورة البقرة بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم ، لأنه فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان ، قال : فربما اجتمع أن يكون الشيء ، وراء من حيث إنه لا يعلم ، ويكون أماما في المكان. (مَلِكٌ يَأْخُذُ) في ذلك الوقت (كُلَّ سَفِينَةٍ) ليس فيها عيب (غَصْباً) من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به.
(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
