عمران : ٥٩] إشارة إلى المبدإ الأول ، وفي آخر (مِنْ طِينٍ) إشارة إلى الجمع بين الماء والتراب ، وفي آخر (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) إشارة إلى الطين المتغير المستقر على حالة من الاعتدال تصلح لقبول الصورة ، وفي آخر (مِنْ صَلْصالٍ) إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه ، وفي آخر (مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ) [الرحمن : ١٤] وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار كالخذف ، وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة ـ انتهى. وقال الرماني : وقد تضمنت الآيات البيان عمّا يوجبه تقليب الحيوان من حال إلى حال من جاعل قادر قلّبه من أصل هو أبعد شيء من حال الحيوان إلى الحيوان ، وقال : إن الحكمة في جعله من الحمأة العبرة في أنه قلب من تلك الحال الحقيرة في الصفة إلى هذه الحال الجليلة.
(وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠))
ولما ذكر سبحانه خلق الإنسان ، أتبعه ذكر ما خلقه قبله من الجنان فقال : (وَالْجَانَ) أي الذي هو للجن كآدم عليهالسلام للناس : وقيل : هو إبليس (خَلَقْناهُ) وعبر عن تقليل زمان سبق خلقه وتقريبه بإثبات الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل خلق الإنسان (مِنْ نارِ السَّمُومِ) أي الحر الشديد ، قيل : هي نار لا دخان لها ، يكون منها الصواعق ، وهي بين السماء وبين الحجاب ، فإذا أراد الله تعالى خرقت الحجاب ، فهدت إلى ما أمرت به ، فالهدة التي يسمعها الناس هي خرق ذلك الحجاب ؛ وقال الرازي في اللوامع : نار لطيفة تناهت في الغليان في أفق الهواء ، وهي بالإضافة إلى النار التي جعلها الله تعالى متاعا كالجمد إلى الماء والحجر إلى التراب ـ انتهى. وقال الرماني : وقال عبد الله : هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق الله منها الجان ، وهي مأخوذة من دخولها بلطفها في مسام البدن ، ومنه السم القاتل ـ انتهى.
ولما كانت نعمة الإيجاد كافية في إخلاص العبادة للموجد ، ثم لم يعتبرها أهل الضلال ، أشار تعالى إلى نعمة هي أكبر منها ، وهي التفضيل على جميع المخلوقات على وجه مبين لسبب الضلال ، فقال عاطفا على ما تقديره : اذكر هذا فإنه كاف في المراد لكل ذي لب : (وَإِذْ) أي واذكر قول ربك إذ (قالَ رَبُّكَ) أي المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليهالسلام لتشريفك (لِلْمَلائِكَةِ) ولما كان مما يتوقف فيه ، أكده فقال : (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً) أي حيوانا غير ملبس البشرة بما جعله عليه من الطبيعة على الصورة الإنسانية (مِنْ صَلْصالٍ) أي طين شديد اليبس (مِنْ حَمَإٍ) أي طين أسود منتن
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
