عن الجنة ، فثبت أمر البعث ، أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح منه وأعم فقال مبدلا من (رَبِّكَ) : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) اللتين نحن من جملة ما فيهما من عباده (وَما بَيْنَهُما) منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها (فَاعْبُدْهُ) بالمراقبة الدائمة على ما ينبغي له من مثلك (وَاصْطَبِرْ) أي اصبر صبرا عظيما بغاية جهدك على كل ما ينبغي الاصطبار عليه كذلك (لِعِبادَتِهِ) أي لأجلها فإنها لا تكون إلا عن مجاهدة شديدة ؛ ثم علل ذلك بقوله : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) أي متصفا بوصف من أوصافه اتصافا حقيقيا ، أو مسمى باسمه ، العلم الواقع موقع لأنه لا مماثل له حتى ولا في مجرد الاسم ، وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى بدليلها.
(وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١))
ولما تبين بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره شمول علمه وتمام قدرته لا سيما في إيجاد البشر تارة من التراب ، وتارة من ذكر وأنثى في حكم العدم ، وتارة من أنثى بلا ذكر ، وثبت ذلك كله ، فانكشفت الشبه ، وتضاءلت موجبات المراء ، وانقمعت مخيلات الفتن ، عجب منهم في إنكارهم البعث وهم يشاهدون ما ذكر من قدرته وعلمه ، عاطفا على التعجب في قولهم (وَقالُوا أَإِذا كُنَّا) تعجيبا أشد من ذلك فقال : (وَيَقُولُ) بلفظ المضارع المؤذن بالتجدد بعد هذا البيان المقتضي حتما لاعتقاد البعث فضلا عن إنكاره مرة من المرات ، ليخبر عنها بصيغة الماضي ، فكيف بالمداومة على ذلك المشار إليها بصيغة المضارع ؛ وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن الإنكار على الواحد يستلزم الإنكار على المتعدد فقال : (الْإِنْسانُ) أي الذي خلقناه ولم يك شيئا ، مع ما فضلناه به من العقل ، ونصبنا له من الدلائل ، فشغله الإنس بنفسه عن التأمل في كمال ربه منكرا مستبعدا : (إِذا ما مِتُ) ثم دل على شدة استبعاده لذلك بقوله مخلصا للام الابتداء إلى التوكيد سالخا لها عما من شأنها الدلالة عليه من الحال لتجامع ما يخلص للاستقبال : (لَسَوْفَ أُخْرَجُ) أي يخرجني مخرج (حَيًّا) أي بعد طول الرقاد ، وتفتت الأجزاء والمواد ، وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد الموت وقت كون الحياة منكرة على زعمه ، والعامل في (إِذا) فعل من معنى (أُخْرَجُ) لا هو ، لمنع لام الابتداء لعمله فيما قبله ؛ ثم قابل إنكاره الباطل بإنكار هو الحق فقال عطفا على يقول أو على ما تقديره : ألا يذكر ما لنا من تمام القدرة بخلق ما
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
