بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣))
ولما قدم سبحانه أن أكثر الناس جحد الآيات لكونه حكم بضلاله ، ومن حكم بضلاله لا يمكن هداه ، وختم بأن من جبل على شيء لم ينفك عنه ، شرع يسلي نبيه عليه الصلاة والسّلام بما اتفق لمن قبله من إخوانه الأنبياء ، مع التنبيه على أنه يجود بالآيات على حسب المقتضيات ، وعلى أن خوارق العادات لا تنفع في إيمان من حكم عليه بالضلال ، وتوجب ـ كما سنه الله ـ إهلاك من عصى بعد ذلك بعذاب الاستئصال ، فقال عاطفا على قوله (وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ) : (وَلَقَدْ آتَيْنا) أي بما لنا من العظمة (مُوسى) بن عمران المتقي المحسن عليهالسلام لما أرسلناه إلى فرعون (تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ) وهي ـ كما في التوراة : العصى ، ثم الدم ، ثم الضفادع ، ثم القمل ، ثم موت البهائم ، ثم البرد الكبار التي أنزلها الله مع النار المضطرمة ، فكانت تهلك كل ما مرت عليه من نبات وحيوان ، ثم الجراد ، ثم الظلمة ، ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع الحيوان ـ كما مضى ذلك في هذا الكتاب عن التوراة في سورة الأعراف ، وكأنه عد اليد مع العصى آية ، ولم يفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم ، وقد نظمتها ليهون حفظها فقلت :
|
عصى قمل موت البهائم ظلمة |
|
جراد دم ثم الضفادع والبرد |
|
وموت بكور الآدمي وغيره |
|
من الحيّ آتاها الذي عز وانفرد |
وهي ملخصة في الزبور فإنه قال في المزمور السابع والسبعين : صنع آياته وعجائبه في مصارع صاعان ، وجعل أنهارهم دما وصهاريجهم لكيلا يشربوا الماء ، أرسل عليهم الهوام وذباب الكلاب فأكلهم الضفادع وأفسدهم ، أطعم القمل ثمارهم والجراد كدهم ، كسر بالبرد كرومهم ، وبالجليد تبنهم ، أسلم للبرد مواشيهم وللحريق أموالهم ، أرسل عليهم شدة حنقه سخطا وغضبا ، أرسل ملائكة الشر ، فتح طرق سخطه ، ولم يخلص من الموت أنفسهم ، أسلم للموت دوابهم ، قتل جميع أبكار مصر وأول أولادهم في مساكن حام. وقال في المزمور الرابع بعد المائة بعد أن ذكر صنائع الله عند بني إسرائيل وآبائهم : بعث جوعا على الأرض ، حطم زرع أرضهم ، أرسل أمامهم رجلا ، بيع يوسف للعبودية ، وأوثقوا بالقيود رجليه ، صارت نفسه في الحديد حتى جاءت كلمته ، وقول الرب ابتلاه ، أرسل الملك فأطلقه ، وجعله رئيسا على شعبه ، وأقامه ربا على بنيه ، وسلطانه على كل ما له ، ليؤدب أراجينه كنفسه ويفقه مشايخه ، دخل إسرائيل مصر ، وتغرب يعقوب في أرض حام ، وكثر شعبه جدا ، وعلا على أعدائه ، صرف قلبه ليبغض
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
