بحكم أو حجة ، وأشعر التفاعل بما يجري من توهم المحتجين في أمره بأوهام حجج داحضة (حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [الشورى : ١٦] فهو تعالى يأذن في الاحتجاج والجدال ثم يتعالى بما له من الحجة البالغة (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) [الأنعام : ١٤٩] فهو المتعالي علما وحكما وحجة ، وحقيقة المتعالي الذي لا يتعالى إلا هو ـ انتهى. والحاصل أنه لما وصف نفسه مما تقدم ، أشار إلى أن ذلك على ما تحتمله العقول وأن الحق في وصفه الكبر المطلق والتعالي المطلق ، لأن العقول لا تحتمل أكثر من ذلك.
(سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤))
ولما كانت العادة قاضية بتفاوت العلم بالنسبة إلى السر والجهر ، والقدرة بالنسبة إلى المتحفظ بالحرس وغيره ، أتبع ذلك سبحانه بما ينفي هذا الاحتمال عنه على وجه الشرح والبيان لاستواء الغيب والشهادة بالنسبة إلى علمه فقال : (سَواءٌ مِنْكُمْ) أي في علمه (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ) أي أخفى معناه في نفسه (وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) وفي علمه (وَ) قدرته (مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ) أي موجد الخفاء وطالب له أشد طلب (بِاللَّيْلِ) في أخفى الأوقات فسارب أو كامن فيه ، يظن أن ذلك الاستخفاء يغنيه من القدرة (وَ) من هو (سارِبٌ) أي ذاهب على وجهه في الأرض ومتوجه جار في توجهه إلى قصده بسرعة (بِالنَّهارِ) متجاهر بسروبه فيه ، فالآية من الاحتباك : ذكر (مُسْتَخْفٍ) أولا دال على ضده ثانيا ، وذكر (سارِبٌ) ثانيا دال على ضده أو مثله أولا (لَهُ) أي لذلك المستخفي أو السارب ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما (مُعَقِّباتٌ) أي أعوان وأنصار يتناوبون في أمره بأن يخلف كل واحد منهم صاحبه ويكون بدلا منه.
ولما كان حفظ جهتي القدام والخلف يستلزم حفظ اليمين والشمال وكان ملأ كل من الجهتين من الحفظة على المخلوق متعذرا ، قال آتيا بالجار : (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) أي من قدامه (وَمِنْ خَلْفِهِ) واستأنف بيان فائدة المعقبات فقال : (يَحْفَظُونَهُ) أي في زعمه من كل شيء يخشاه (مِنْ أَمْرِ اللهِ) أي الذي له الإحاطة الكاملة.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
