ذكره بذلك فقال : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ) أباك الأقرب (إِسْماعِيلَ) ابن إبراهيم عليهماالسلام الذي هم معترفون بنبوته ، ومفتخرون برسالته وأبوته ، فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك بأنك من البشر ، ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلما بصعوبة الوفاء بالتأكيد : (إِنَّهُ كانَ) جبلة وطبعا (صادِقَ الْوَعْدِ) في حق الله وغيره لمعونة الله له على ذلك ، بسبب أنه لا يعد وعدا إلا مقرونا بالاستثناء كما قال لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) فكن أبي كذلك ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ، وخصه بالمدح به ـ وإن كان الأنبياء كلهم كذلك ـ لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله (وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا) نبأه الله بأخباره ، وأرسله إلى قومه جرهم قاله الأصبهاني. وأتى أهل تلك البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسّلام فأحياها الله بنور الإيمان الناشىء عن روح العلم ووصفه بالرسالة زيادة على وصف أخيه إسحاق عليهماالسلام وتقدم في أمر موسى عليهالسلام سر الجمع بين الوصفين ؛ وفي صحيح مسلم وجامع الترمذي ـ عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليهالسلام. وفي رواية الترمذي أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل (١). (وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ) التي هي طهرة البدن وقرة العين وخير العون على جميع المآرب (وَالزَّكاةِ) التي هي طهرة المال ، كما أوصى الله بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وتقدم في هذه السورة أنه سبحانه وتعالى أوصى بذلك عيسى عليهالسلام (وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ) لعبادته على حسب ما أقامته ربوبيته (مَرْضِيًّا) فاقتد أنت به فإنه من أجل آبائك ، لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال ، فتنال رتبة الرضا.
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩))
ولما كان إسماعيل عليهالسلام قد رفع بالسكنى حيا إلى أعلى مكان في الأرض رتبة ، وكان أول نبي رمى بالسهام ، وكان إدريس عليهالسلام ـ مع رفعته إلى المكان العلي ـ أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار ، وأول من نظر في علم النجوم والحساب ، وخط بالقلم ، وخاط الثياب ولبس الجبة وكان أغربهم قصة ، وأعجبهم أمرا ، وأقدمهم زمنا ، ختم به هذه القصص تأييدا لهذا النبي الكريم ، بما بين له من القصص التي هي
__________________
(١) أخرجه مسلم ٢٢٧٦ والترمذي ٣٦٠٥ وابن حبان ٦٢٤٢ وأبو يعلى ١ / ٣٥٠ عن واثلة بن الأسقع.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
