لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد (فَلَنْ يَهْتَدُوا) أي كلهم بسبب دعائك (إِذاً) أي إذا دعوتهم (أَبَداً) لأن من له العظمة التامة ـ وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها ـ حكم عليهم بالضلال ، أي أنه لا يكون الدعاء وحده هاديا لأكثرهم ، بل لا بد معه من السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم ، وقد يكون المراد أن من كان هكذا معاندا على هذا الوجه كان مؤبد الشقاء ، وقد نفى آخر هذه الآية الفعل عن العباد وأثبته لهم أولها ، وقلما نجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها أخرى تثبته لله وتنفيه عنهم ، ابتلاء من الله لعباده ليتميز الراسخ ـ الذي ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر التكليف ، ولله الخلق المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره ـ من الطائش الذي يقول بالجبر أو التفريض.
ولما كان هذا مقتضيا لأخذهم ، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة قوله تعالى : (وَرَبُّكَ) مشيرا بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها ؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من أوصافه فقال : (الْغَفُورُ) أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت (ذُو الرَّحْمَةِ) أي الذي يعامل ـ وهو قادر ـ مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام ؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى : (لَوْ يُؤاخِذُهُمْ) أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك ، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة المؤاخذ (بِما كَسَبُوا) حين كسبهم (لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ) واحدا بعد واحد ، ولكنه لا يعجل لهم ذلك (بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ) يحله بهم فيه ، ودل على أن موعده ليس كموعد غيره من العاجزين بقوله دالا على كمال قدرته : (لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ) أي الموعد (مَوْئِلاً) أي ملجأ ينجيهم منه ، فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره.
(وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩) وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣))
ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية ، قال تعالى عاطفا على قوله «لهم موعد» مروعا لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة لدمارهم : (وَتِلْكَ الْقُرى) أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم (أَهْلَكْناهُمْ) أي حكمنا
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
