بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة الرعد
مدنية ـ آياتها ثلاث وأربعون
مقصودها وصف الكتاب بأنه الحق في نفسه ، وتارة يتأثر عنه مع أن له صوتا وصيتا وإرعابا وإرهابا يهدي بالفعل ، وتارة لا يتأثر بل يكون سببا للضلال والعمى ، وأنسب ما فيها لهذا المقصد الرعد ، فإنه مع كونه حقا في نفسه يسمعه الأعمى والبصير والبارز والمستتر ، وتارة يتأثر عنه البرق والمطر وتارة لا ، وإذا نزل المطر فتارة ينفع إذا أصاب الأراضي الطيبة وسلمت من عاهة ، وتارة يخيب إذا نزل على السباخ الخوارة ، (١) وتارة يضر بالإغراق أو الصواعق أو البرد وغيرها ـ والله أعلم.
(المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢))
(بِسْمِ اللهِ) الحق الذي كل ما عداه باطل (الرَّحْمنِ) الذي عم بالرغبة والرهبة بعموم رحمته (الرَّحِيمِ) الذي خص من شاء بما يرضاه عظيم الوهية (المر.)
لما ختم التي قبلها بالدليل على حقية القرآن وأنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، بعد أن أشار إلى كثرة ما يحسونه من آياته في السماوات والأرض مع الإعراض ، ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش لأنه أفصح للبداءة في نشره بالأقرب فالأقرب فقال : (تِلْكَ) أي الأنباء المتلوة والأقاصيص المجلوة المفصلة بدر المعاني وبديع الحكم وثابت القواعد والمباني العالية المراتب (آياتُ) والآية : الدلالة العجيبة في التأدية إلى المعرفة (الْكِتابِ) المنزل إليك (وَ) جميع (الَّذِي).
ولما كان تحقق أن هذا الكتاب من عند الملك أمرا لا يطرقه مرية لما له من
__________________
(١) من خورت الأرض : ارتخت من كثرة المطر فساخ ترابها.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
