خاصة (مِنْ لَدُنْكَ) أي عندك من الخوارق التي هي أغرب الغريب (سُلْطاناً) أي حجة وعزا (نَصِيراً) وفيه إشعار بالهجرة وأنها تكون على الوجه الذي كشف عنه الزمان من العظمة التي ما لأحد بها من يدان.
(وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥))
ولما كان الدعاء قد لا يستجاب ، قال مبشرا له بأنه ليس بين دعائه وبين استجابته إلا قوله ، ومحققا لتلك البشرى بالأمر بأن يخبر بها : (وَقُلْ) أي لأوليائك وأعدائك : (جاءَ الْحَقُ) وهو كل ما أمرني به ربي وأنزله إليّ (وَزَهَقَ) أي اضمحل وبطل وهلك (الْباطِلُ) وهو كل ما خالفه ؛ ثم علل زهوقه بقوله : (إِنَّ الْباطِلَ كانَ) في نفسه بجبلته وطبعه (زَهُوقاً) قضاء قضاه الله تعالى من الأزل ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : دخل النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ، جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ)(١) [سبأ : ٤٩].
ولما كان القرآن الذي نوه به في آية (أَقِمِ الصَّلاةَ) هو السبب الأعظم في إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه ، وهو الجامع لجميع ما مضى من الإلهيات والبعث وما تبع ذلك ، قال عاطفا على (وَلَقَدْ كَرَّمْنا) : (وَنُنَزِّلُ) أي بعظمتنا ؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى : (مِنَ الْقُرْآنِ) أي الجامع الفارق الذي هو أحق الحق (ما هُوَ شِفاءٌ) للقلوب والأبدان (وَرَحْمَةٌ) أي إكرام وقوة (لِلْمُؤْمِنِينَ) أي الراسخين في الإيمان ، لإنارته لقلوبهم من صدإ الجهل ، وحمله لهم على سبيل الرشد الذي هو سبب الرحمة ، ولحراسته لهم من كل شيطان ومرض ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء به ، هو كله كذلك وكذا جميع أبعاضه ؛ قال الرازي في اللوامع : وهو أنس المحبين ، وسلوة المشتاقين ، وإنه النور المبين ، الذي من استبصر به انكشف له من الحقائق ما كان مستورا ، وانطوى عنه من البوائق ما كان منشورا ، كما أن الباطل داء ونقمة للكافرين
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٢٠ عن ابن مسعود رضي الله عنه وأخرجه أحمد ٢ / ٥٣٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
