سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣))
ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل ، وإخراج المرسل ، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتا عن الروح الحسي ، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهما عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجدا ، وأطهرهم نفسا ، وأعظمهم مولدا ، وأزكاهم عنصرا ، وأعلاهم همة ، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا يفهمونه ، قال عاطفا على (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) تنبيها لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه ، فعمهم الجهل كما كانوا ، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم ، وأرادوا تبديل ما ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ويفنيهم ، فضلوا قولا وفعلا : (وَلَئِنْ شِئْنا) ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء ، ولامه موطئة للقسم ، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى : (لَنَذْهَبَنَ) أي بما لنا من العظمة ذهابا محققا (بِالَّذِي أَوْحَيْنا) أي بما لنا من العظمة (إِلَيْكَ) مما أرادوا الفتنة فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم ـ لو أقبلوا على تفهمه ـ عن شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا ، ولإفادة هذا لم يقل : لأذهبنا. (ثُمَ) أي بعد الذهاب به (لا تَجِدُ لَكَ) ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي ، فكانت العناية به أشد ، قدم قوله : (بِهِ) ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد طوعا أو كرها ، قال تعالى : (عَلَيْنا) أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض (وَكِيلاً) يأتيك به أو بشيء منه.
ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه ، قال تعالى : (إِلَّا) أي لكن تجد (رَحْمَةً) مبتدئة وكائنة (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك ، ولم يقطع إحسانه قط عنك ، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه ، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له ـ التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها ـ كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال.
ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى ، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفا مؤكدا لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب ، فهو بحيث لا يكاد يصدق ، وهو مما يتلذذ بذكره (إِنَّ فَضْلَهُ كانَ) أي كونا ثابتا (عَلَيْكَ) أي خاصة (كَبِيراً) أي بالغ الكبر ، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان ، يسري بما في المصاحف وبما في القلوب ، وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
