ولما كانت هذه ثانية (قالَ) الخضر عليهالسلام : (أَلَمْ أَقُلْ) وزاد قوله : (لَكَ إِنَّكَ) يا موسى (لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ) أي خاصة (صَبْراً* قالَ) موسى عليهالسلام حياء منه لما أفاق بتذكر مما حصل من فرط الوجد لأمر الله فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله : (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها) يا أخي! وأعلم بشدة ندمه على الإنكار بقوله : (فَلا تُصاحِبْنِي) بل فارقني ؛ ثم علل ذلك بقوله : (قَدْ بَلَغْتَ) وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال : (مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما. وقد أخبرني الله بحسن حالك في غزارة علمك (فَانْطَلَقا) بعد قتله (حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ) عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذم ، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليهالسلام ؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلا في لؤم أهلها بقوله تعالى : (اسْتَطْعَما) وأظهر ولم يضمر في قوله : (أَهْلَها) لأن الاستطعام لبعض من أتوه ، أوكل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد ، وهذا هو الظاهر ، لأنه هو الموافق للعادة.
قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل : ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين الأفهام في القرآن : اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين : أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا ، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس ، ولم يصل إليه تخاطب الخلق. فإذا كان البيان عن إحاطة ، تقدم الإضمار (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وإذا كان عن اختصاص ، تقدم الإظهار (اللهُ الصَّمَدُ) وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته ، وإذا أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار ، أو بجمع المضمر والمظهر (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الحجرات : ١](إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) [البروج : ١٢](هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) [الحشر : ٢٢] والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان من هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم ، ومن نحوه (أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) استأنف للمستطعمين إظهارا غير إظهار عموم المأتيين ـ انتهى. وجعل السبكي الإتيان للبعض ، والاستطعام للكل ، لأنه أشد ذما لأهل القرية وأدل على شر طبعها ، ومن قال بالأول مؤيد بقول
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
