ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وتثبيتا أن يبخع نفسه ، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال : (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً) لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها ، ولكثرة حركاتهم (وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ) بعظمتنا في حال نومهم تقليبا كثيرا بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم (ذاتَ) أي في الجهة التي هي صاحبة (الْيَمِينِ) منهم (وَذاتَ الشِّمالِ) لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ) وأعمل اسم الفاعل هذا ، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال : (ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب ، وذكر هذا الكلب على طول الآباد بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد.
ولما كان هذا مشوقا إلى رؤيتهم ، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى : (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) وهم على تلك الحال (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً) أي حال وقوع بصرك عليهم (وَلَمُلِئْتَ) في أقل وقت بأيسر أمر (مِنْهُمْ رُعْباً) لما ألبسهم الله من الهيبة ، وجعل لهم من الجلالة ، تدبيرا منه لما أراد منهم (وَكَذلِكَ) أي فعلنا بهم هذا من آياتنا من النوم وغيره ، ومثل ما فعلناه بهم (بَعَثْناهُمْ) بما لنا من العظمة (لِيَتَساءَلُوا) وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور. ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى : (بَيْنَهُمْ) أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيمانا ، وثباتا وإيقانا ، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة ، والأحوال الغريبة فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا ، ولا قدرة لأحد سوانا ، وأن قدرتنا تامة ، وعلمنا شامل ، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات ، وأراهم البينات ، فإن كانوا يستنحصون (١) اليهود فليسألوهم عما قصصنا من هذه القصة ، فإن اعترفوا به لزمهم جميعا الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان ، وإن لم يؤمنوا علم قطعا أنه لا يؤمن إلا من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم ، لا بإنزال الآيات المقترحات.
ولما كان المقام مقتضيا لأن يقال : ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى : (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ) مستفهما من إخوانه : (كَمْ لَبِثْتُمْ) نائمين في هذا الكهف من ليلة أو يوم ، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من
__________________
(١) كذا في الأصل ومادة «نحص» في المختار أصل الجبل وليس هو المراد وهو والله أعلم متحرف من استنصح ـ أي طلب النصح. أو المراد ما جاء في القاموس في مادّة «نحص» نحصت له بحقه أديته عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
