هو عام التعارف بينكم ، ثم عطف على جملة الشرط من أولها قوله تعالى : (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) أي عن الأجل شيئا.
(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤))
ولما كان ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى ، أتبعه التصريح بعد التلويح بقوله تعالى : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ) أي وهو الملك الأعظم (ما يَكْرَهُونَ) أي لأنفسهم ، من البنات والأموال والشركاء في الرئاسة ، ومن الاستخفاف برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم ، ثم وصف جراءتهم مع ذلك ، الكائنة في محل الخوف ، المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال : (وَتَصِفُ) أي تقول معتقدة مع القول الصفاء ، ولما كان قولا لا حقيقة له بوجه ، أسنده إلى اللسان فقال : (أَلْسِنَتُهُمُ) أي مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل (الْكَذِبَ) ثم بينه بقوله : (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) أي عنده ، ولا جهل أعظم ولا حكم أسوأ من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره يجعل لك ما تحب ، فكأنه قيل : فما لهم عنده؟ فقيل : (لا جَرَمَ) أي لا ظن ولا تردد في (أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) التي هي جزاء الظالمين (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) أي مقدمون معجلون إليها بتقديم من يسوقهم وإعجاله لهم ؛ وقال الرماني : متروكون فيها ، من قول العرب : ما أفرطت ورائي أحدا ، أي ما خلفت ولا تركت ، وقرأ نافع بالتخفيف والكسر ، أي مبالغون في الإسراف والجراءة على الله. ولما بين مآلهم ، وكانوا يقولون : إن لهم من يشفع فيهم ، بين لهم ما يكون من حالهم ، بالقياس على أشكالهم تهديدا ، وتسلية للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال تعالى : (تَاللهِ) أي الملك الأعلى (لَقَدْ أَرْسَلْنا) أي بما لنا من العظمة ، رسلا من الماضين (إِلى أُمَمٍ) ولما كان الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل ، قال : (مِنْ قَبْلِكَ) كما أرسلناك إلى هؤلاء (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ) أي المحترق بالغضب. المطرود باللعنة (أَعْمالَهُمْ) كما زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم (فَهُوَ) لا غيره (وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ) بعد إهلاكهم حال كونهم في النار ولا قدرة له على نصرهم (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) فلا ولي لهم لأنه لو قدر على نصرهم لما أسلمهم للهلاك وقد أطاعوه ، بل لو عدموا ولايته كان ذلك أولى لهم ، فهو نفي لأن يكون لهم ولي على أبلغ الوجوه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
