ولما كان دعاءها إلى الزهد فيها والإعراض عنها جملة والاستدلال بها على تمام علم صانعها وشمول قدرته على إعادة الخلائق كما ابتدأهم وغير ذلك خفيا ، لكونه مستورا عن العقول بهوى النفوس ، نبه عليه بقوله تعالى : (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ) أي بما لنا من العظمة ثابت لنا هذا الوصف دائما (ما عَلَيْها) من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه (صَعِيداً) أي ترابا بأن نهلك تلك الزينة بإزالة اخضرارها فيزول المانع من استيلاء التراب عليها ثم نسلط عليها الشموس والرياح فيردها بذلك إلى أصلها ترابا (جُرُزاً) أي يابسا لا ينبت شيئا بطبعه ، وكذا نفعل بمن سبب تسليط البلاء عليه من الحيوان آدميا كان أو غيره سواء. ولما كان من المشاهد إعادة النبات بإذن الله تعالى بإنزال الماء عليه إلى الصورة النباتية التي هي الدليل على إحياء الموتى مرة بعد مرة ما دامت الأرض موجودة على هذه الصورة ، طوي ذكر ذلك سترا لهذا البرهان المنير عن الأغبياء المشغولين بالظواهر ، علما منه سبحانه بظهوره لأولي البصائر.
(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢))
ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب ، والغرائب التي تخضع لديها الغرائب ، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار ، والتجلي على الأبصار ، هذا إلى ما له من الآيات التي تزيد على العد ، ولا يحصر بحد ، من خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر والكواكب ـ وغير ذلك ، حقر آية أصحاب الكهف ـ وإن كانت من أعجب العجب ـ لاضمحلالها في جنب ذلك ، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجبا ، فنبه على ذلك بقوله تعالى عطفا على ما تقديره : أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا؟ : (أَمْ حَسِبْتَ) على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين (أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ) أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت (وَالرَّقِيمِ) أي القرية أو الجبل (كانُوا) هم فقط (مِنْ آياتِنا عَجَباً) على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب ، والواقع أنهم ـ وإن كانوا من العجائب ـ ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا ، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي الذي أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة تكرره فيكم ، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين أجناسه ، واختلاف ألوانه وأنواعه ، وتضاد طبائعه ، من مادة واحدة ، يهتز بالينبوع ، يبهج الناظرين ويروق المتأملين ، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
