أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الكهف : ٧] وما بعده (خَيْرٌ) أي من الزينة الفانية. ولما كان أهم ما إلى من حصل النفائس لكفايته من يحفظها له لوقت حاجته قال : (عِنْدَ رَبِّكَ) أي الجليل المواهب ، العالم بالعواقب ، وخير من المال والبنين في العاجل والآجل (ثَواباً وَخَيْرٌ) من ذلك كله (أَمَلاً) أي من جهة ما يرجو فيها من الثواب ويرجو فيها من الأمل ، لأن ثوابها إلى بقاء ، وأملها كل ساعة في تحقق وعلو وارتقاء ، وأمل المال والبنين يختان أحوج ما يكون إليهما.
ولما ذكر المبدأ ونبه على زواله ، وختم بأن المقصود منه الاختبار للرفعة بالثواب أو الضعة بالعقاب ، وكان الخزي والصغار ، أعظم شيء ترهبه النفوس الكبار ، لا سيما إذا عظم الجمع واشتد الأمر ، فكيف إذا انضم إليه الفقر فكيف إذا صاحبهما الحبس وكان يوم الحشر يوما يجمع فيه الخلائق ، فهو بالحقيقة المشهود ، وتظهر فيه العظمة فهو وحده المرهوب ، عقب ذكر الجزاء ذكره ، لأنه أعظم يوم يظهر فيه ، فقال تعالى عاطفا على (وَاضْرِبْ) : (وَيَوْمَ) أي واذكر لهم يوم (نُسَيِّرُ الْجِبالَ) عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير نبات الأرض ـ بعد أن صار هشيما ـ بالرياح فترى (الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) [النحل : ٨٨](وَتَرَى الْأَرْضَ) بكمالها (بارِزَةً) لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل (وَ) الحال أنا قد (حَشَرْناهُمْ) أي الخلائق بعظمتنا قبل التسيير بتلك الصيحة ، قهرا إلى الموقف الذي ينكشف فيه المخبآت ، وتظهر الفضائح والمغيبات ، ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير ، والنافذ فيه بصير ، فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند زوالها ، وقعاقع الأبنية والأشجار في هدها وتباين أوصالها ، وفنائها بعد عظيم مرآها واضمحلالها (فَلَمْ نُغادِرْ) أي نترك بما لنا من العظمة (مِنْهُمْ) أي الأولين والآخرين (أَحَداً) لأنه لا ذهول ولا عجز.
(وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠))
ولما ذكر سبحانه حشرهم ، وكان من المعلوم أنه للعرض ، ذكر كيفية ذلك العرض ، فقال بانيا الفعل للمفعول على طريقة كلام القادرين ، ولأن المخوف العرض لا
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
