هذا اللعن بأعدائكم وشنأتكم الذي آذوكم. (وَجَعَلْنا) أي بعد ذلك بعظمتنا (جَهَنَّمَ) التي تلقى داخلها بالتجهم والكراهة (لِلْكافِرِينَ) وهذا الوصف الظاهر موضع ضمير لبيان تعليق الحكم به على سبيل الرسوخ سواء في ذلك هم وغيرهم ، وفيه إشارة إلى أنهم يعودون إلى الإفساد ، وإلى أن منهم من يؤمن ومنهم من يكفر (حَصِيراً) أي محبسا يحصرهم غاية الحصر ، وعن الحسن أن الحصير هو الذي يفرش ويبسط ، فالمعنى أنه يجعلها مهادهم.
(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١))
ولما ثبت أن كتاب موسى عليهالسلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت المقدس في تلك المدة المتطاولة هو هدى لبني إسرائيل ، صادق الوعد والوعيد فيما قضى فيه إليهم من أمرهم وأمر بيت المقدس من ترقية حال من أطاعه وإعلائهم وأخذ من عاداهم ومن تعكيس أحوال العصاة مرة بعد أخرى بتسليط الأعداء عليهم بالقتل والأسر والنهب وتخريب البلاد ، تنبيها على أن طاعة الله تجلب كل خير وكرامة ، ومعصيته توجب كل بلية ، كما كشف عنه الزمان على ما هو معروف من تواريخ اليهود وغيرها ، لاح أن القرآن يزيد عليه في كل معنى حسن وأمر شريف فيما أتى به من الوعود الصادقة ، والأحكام المحكمة ، والمعاني الفائقة ، في النظوم العذبة الرائقة ، مع الإعجاز عن الإتيان بآية من مثله لجميع الإنس والجان بنسبة ما زاد المسير المحمدي إلى بيت المقدس ـ الذي أراه فيه من آياته ـ على المسير الموسوي الذي آتاه فيه الكتاب ، فقال ـ في جواب من كأنه قال : قد علم أن كتاب موسى عليهالسلام الذي أنزل في مسيره لقصد محل المسجد الأقصى قيم في الهداية والوعود الصادقة ، فما حال كتاب محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب مسيره إليه في ذلك؟ (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ) أي الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس (يَهْدِي.)
ولما كان صاحب الذوق السليم يجد لحذف الموصوف هزة وروعة ، لما يجد من الفخامة بإبهامه لا يجدها عند ذكره وإيضاحه ، قال (لِلَّتِي) أي للطرائق والأحوال والسنن التي (هِيَ أَقْوَمُ) من كل طريقة وسنة وحال دعا إليها كتاب من الكتب السماوية ، أما في الصورة فباعتبار ما علا به من البيان ، وأما في الوعود فباعتبار العموم لجميع الخلق في الدارين ، وأما في الأصول فبتصريف الأمثال وتقريب الوسائل ، وحسم
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
