تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو أعسر عندهم في الإعادة من الرفات بأن يكونوا حجارة أو حديدا ، وأشار إلى قدرته على التصرف بخرق العادة في الحديد بإلانته لعبد من عبيده ، ثم في الحجارة على سبيل الترقي في النشر المشوش بما هو أعجب من ذلك ، وهو إفاضة الحياة عليها لعبد آخر من عبيده ، أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية الرفات الذي حملهم على الاستبعاد بما هو أعجب من كل ما تقدمه ، وذلك بإفاضة الحياة الكاملة بالنطق عليه من غير أن تسبق له حالة حياة أصلا ، وذلك بخلق آدم عليهالسلام الذي هو أصلهم ، مع ما في ذلك من حفظ السياق في التسلية بأن الآيات لا تنفع المحكوم بشقاوته وبأن آدم عليهالسلام قد سلط عليه الحاسد واشتد أذاه له مع أنه صفي الله وأول أنبيائه ، مع البيان لأن أغلب أسباب الطغيان الحسد الذي حمل إبليس على ما فعل فقال تعالى : (إِذْ) أي واذكر أيضا ما وقع من الطغيان مع رؤية الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو من أعلم الخلق بآيات الله وعظمته ، ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليهالسلام بعد تحقق عداوته في مخالفة ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ (قُلْنا) أي بما لنا من العظمة التي لا يعصي مرادها شيء (لِلْمَلائِكَةِ) حين خلقنا أباكم آدم وفضلناه : (اسْجُدُوا لِآدَمَ) امتثالا لأمري (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله وعظمته ، وذلك معنى قوله : (قالَ) أي لنا منكرا متكبرا : (أَأَسْجُدُ) أي خضوعا (لِمَنْ خَلَقْتَ) حال كون أصله (طِيناً) فكفر بنسبته لنا إلى الجور وعدم الحكمة ، متخيلا أنه أكرم من آدم عليهالسلام من حيث إن الفروع ترجع إلى الأصول ، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين ، وذهب عليه إن الطين أنفع من النار فهو أكرم ، وعلى تقدير التنزل فإن الجواهر كلها من جنس واحد ، والله تعالى الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض ، كما تقدمت الإشارة إليه في (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) [الإسراء : ٥٥].
ولما أخبر تعالى بتكبره ، كان كأنه قيل : إن هذه لوقاحة عظيمة واجتراء على الجناب الأعلى ، فهل كان غير هذا؟ فقيل : نعم! (قالَ أَرَأَيْتَكَ) أي أخبرني (هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ) بم كرمته عليّ مع ضعفه وقوتي؟ فكأنه قيل : لقد أتى بالغاية في إساءة الأدب ، فما كان بعد هذا؟ فقيل : قال مقسما لأجل استبعاد أن يجترىء أحد هذه الجراءة على الملك الأعلى : (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ) أي أيها الملك الأعلى تأخيرا ممتدا (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) حيا متمكنا (لَأَحْتَنِكَنَ) أي بالإغواء (ذُرِّيَّتَهُ) أي لأستولين عليهم بشدة احتيالي كما يستولي الآكل على ما أخذه في حنكه ، بتسليطك لي عليهم (إِلَّا قَلِيلاً)
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
