يا سيد! ولا تشعل غضبك على عبيدك ، لأنك مثل فرعون ، سأل سيدي عبيده فقال لهم : هل لكم أب أو أخ؟ فقلنا لسيدنا : إن لنا أبا شيخا وابنا له صغيرا ولد على كبر سنه ، وإن أخاه مات ، وهو الباقي وحده لأمه ، وأبوه يحبه ، وأمرت عبيدك وقلت : اهبطوا به إليّ حتى أعرفه وأعاينه ، فقلنا لسيدنا : لا يقدر الغلام على مفارقة أبيه ، لأنه إن فارقه أبوه توفي ، فقلت لعبيدك : إنه إن لم يهبط أخوكم الأصغر معكم فلا تعودوا أن تعاينوا وجهي ، فلما صعدنا إلى عبدك أبينا أخبرناه بقول سيدنا فقال لنا عبدك أبونا : ارجعوا فامتاروا شيئا من بر ، فقلنا لأبينا : لا نقدر على الهبوط إلى أن نهبط بأخينا الأصغر معنا ، لأنا لا نقدر على معاينة وجه الرجل إن لم يكن أخونا معنا ، فقال لنا عبدك أبونا : أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي ابنين ، فخرج واحد من عندي فقلتم : إنه قتل قتلا ، فلم أعاينه إلى يوم الناس هذا ، فتحملون أيضا هذا من عندي فيعرض له صيد فتهبطون بشيخوختي بحزن وشر إلى القبر ، والآن إذا نحن انطلقنا إلى عبدك أبينا وليس الغلام معنا ونفسه حبيبة إليه ، فإذا علم أن الغلام ليس هو معنا يموت فيهبط عبدك شيبة أبينا بالشقاء والتشحيب ، لأن عبدك ضمن الغلام لأبينا ، وقلت : إني إذا لم آتك به أخطىء باقي جميع الأيام ، والآن فليبق عبدك بدل الغلام عبدا لسيدي ، وليصعد الغلام مع إخوته ، لأني أفكر كيف أصعد إلى أبي وليس الغلام معي كيلا أعاين الشر الذي ينزل بأبي.
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤))
ولما أياسهم بما قال عن إطلاق بنيامين ، حكى الله تعالى ما أثمر لهم ذلك من الرأي فقال : (فَلَمَّا) دالا بالفاء على قرب زمن تلك المراجعات (اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ) أي تحول رجاءهم لتخلية سبيله لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأسا شديدا بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله (خَلَصُوا) أي انفردوا من غيرهم حال كونهم (نَجِيًّا) أي ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضا ، من المناجاة وهي رفع المعنى من كل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
