أعداؤهم أو المؤمنون ونحوه ، إجلالا لهم بوصفهم بالعلم الذي هو أشرف الصفات لكونه منشأ كل فضيلة ، وتعريضا بأن الحامل للكفار على الاستكبار الجهل الذي هو سبب كل رذيلة (إِنَّ الْخِزْيَ) أي البلاء المذل (الْيَوْمَ) أي يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة (وَالسُّوءَ) أي كل ما يسوء (عَلَى الْكافِرِينَ) أي العريقين في الكفر الذين تكبروا في غير موضع التكبر ، لا على غيرهم ؛ ثم رغبهم في التوبة بقوله : (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ) بالفوقية في قراءة الجمهور لأن الجمع مؤنث ، وبالتحتية في قراءة حمزة لأن المجموع غير مؤنث ، وكان وفاتهم على وجهين : وجه خفيف ـ بما أشار إليه التأنيث لخفة كفر صاحبه ، وآخر ثقيل شديد لشدة كفر صاحبه ، ولم يحذف شيء من التاءين للإشارة إلى نقصان حالهم لأنه لا يمكن خيرها لموتهم على الكفر بخلاف ما تقدم في تارك الهجرة في النساء (الْمَلائِكَةُ) أي المؤكلون بالموت ، حال كونهم (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بوضعها من الاستكبار على الملك الجبار غير موضعها.
فلما تم ذلك على هذا الوجه البديع ، والأسلوب الرفيع المنيع ، ابتدأ الخبر عن جوابهم على وجه معلم بحالهم فقال : (فَأَلْقَوُا) أي من أنفسهم عقب قول الأولياء وبسبب سؤال ذي الكبرياء (السَّلَمَ) أي المقادة والخضوع بدل ذلك التكبر والعلو قائلين ارتكابا للكذب من غير احتشام : (ما كُنَّا نَعْمَلُ) وأعرقوا في النفي فقالوا : (مِنْ سُوءٍ) فكأنه قيل : إن هذا لبهتان عظيم في ذلك اليوم الجليل ، فماذا قيل لهم؟ فقيل : (بَلى) قد عملتم أعظم السوء ؛ ثم علل تكذيبهم بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط بكل شيء (عَلِيمٌ) أي بالغ العلم من كل وجه (بِما كُنْتُمْ) أي جبلة وطبعا (تَعْمَلُونَ) أي من الضلال والإضلال ، فلا يسعكم الإنكار ، أفما آن لكم أن تنزعوا عن الجهل فيما يضركم ولا ينفعكم ويخفضكم ولا يرفعكم!
(فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢))
ولما كان هذا الفعل مع هذا العلم سببا لدخول جهنم من غير أن يقام لهم وزن ، لأنه لا وزن لما ضيع أساسه ، قال معقبا مسببا : (فَادْخُلُوا) أي أيها الكفرة (أَبْوابَ جَهَنَّمَ) أي أبواب طبقاتها ودركاتها (خالِدِينَ) أي مقدرين الخلد (فِيها) أي في جهنم التي دأبها تجهم من دخلها.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
