من كل عالم (بِالَّذِينَ هُمْ) لظواهرهم وبواطنهم (أَوْلى بِها) أي جهنم (صِلِيًّا) وبالذين هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين وغيرهم ، فلا يظن بنا أنا نضع أحدا في غير دركته أو غير طبقته من دركته ؛ وعطف هذه الجمل بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد مراتبها وتصاعدها في ذرى العليا وترقيها ، تهويلا للمقام وتعظيما للأمر لاستبعادهم له ، على أنه يمكن أن تكون الحروف الثلاثة للترتيب الزماني ، وهو في الأولين واضح ، وأما في الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء ، لأن من علم ذنب عدوه ـ وهو قادر ـ عذبه ، فكأنه قيل : لنصلين كلّا منهم النار على حسب استحقاقه لأنا أعلم بأولويته لذلك.
ولما كانوا بهذا الإعلام ، المؤكد بالإقسام ، من ذي الجلال والإكرام ، جديرين بإصغاء الأفهام ، إلى ما يوجه إليها من الكلام ، التفت إلى مقام الخطاب ، إفهاما للعموم فقال : (وَإِنْ) أي وما (مِنْكُمْ) أيها الناس أحد (إِلَّا وارِدُها) أي داخل جهنم ؛ ثم استأنف قوله : (كانَ) هذا الورود ؛ ولما كان المعنى أنه لا بد من إيقاعه ، أكده غاية التأكيد فأتى بأداة الوجوب فقال : (عَلى رَبِّكَ) الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك لأجلك (حَتْماً) أي واجبا مقطوعا به (مَقْضِيًّا) لا بد من إيقاعه ؛ قال الرازي في اللوامع : ما من مؤمن ـ إلا الأنبياء ـ إلا وقد تلطخ بخلق سوء ولا ينال السعادة الحقيقية إلا بعد تنقيته ، وتخليصه من ذلك إنما يكون بالنار.
(ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦))
ولما كان الخلاص منها بعد ذلك مستبعدا ، قال مشيرا إليه بأداة البعد : (ثُمَّ نُنَجِّي) أي تنجية عظيمة على قراءة الجماعة ، ومطلق إنجاء على قراءة الكسائي ، وكأن ذلك باختلاف أحوال الناس مع أن المطلق لا ينافي المقيد (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي كانوا متقين منها بأن تكون عليهم حال الورود بردا وسلاما (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ) أي نترك على أخبث الأحوال الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها واستمروا على ذلك فكانوا في أفعالهم خابطين كالأعمى (فِيها جِثِيًّا) كما كانوا حولها لا يهتدون إلى وجه يخلصون به منها.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
