الإدغام فقال : (لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ) أي هذه (عَلى إِخْوَتِكَ) ثم سبب عن النهي قوله : (فَيَكِيدُوا) أي فيوقعوا (لَكَ كَيْداً) أي يخصك ، فاللام للاختصاص. وفي الآية دليل على أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة ، بل هي مما يندب إليه ؛ قال الرماني : والرؤيا : تصور المعنى في المنام على توهم الإبصار ، وذلك أن العقل مغمور بالنوم ، فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه ؛ وقال الإمام الرازي في اللوامع : هي ركود الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس ، وحركة المشاعر الباطنة إلى المدارك ، فإن للنفس الإنسانية حواسّ ظاهرة ومشاعر باطنة ، فإذا سكنت الحواس الظاهرة استعملت الحواس الباطنة في إدراك الأمور الغائبة ، فربما تدركها على الصورة التي هي عليها ، فلا يحتاج إلى تعبير ، وربما تراها في صورة محاكية مناسبة لها فيحتاج إلى التعبير ، مثال الأول رؤيا النبي صلىاللهعليهوسلم أنه دخل المسجد الحرام ، والثاني كرؤيا يوسف عليه الصلاة والسّلام هذه. وقال الرماني : والرؤيا الصادقة لها تأويل ، والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها ـ انتهى. وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام.
ولما كانت العادة جارية بأن شفقة الإخوة تمنع من مثل ذلك ، علله تقريبا له بقوله : (إِنَّ الشَّيْطانَ) أي المحترق المبعد (لِلْإِنْسانِ) أي عامة ولا سيما الأكابر منهم (عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي واضح العداوة وموضحها لكل واع فيوقع العداوة بما يخيله من فوت الحظوظ بتركها ، وفي الآية دليل على أن أمر الرؤيا مشكل ، فلا ينبغي أن تقص إلا على شفيق ناصح.
(وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨))
ولما علم يعقوب عليه الصلاة والسّلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال : (وَكَذلِكَ) أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز ، ومثل ما اجتباك لها (يَجْتَبِيكَ) أي يختارك ويجمع لك معالي الأمور (رَبُّكَ) المربي لك بالإحسان للملك والنبوة (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ) أي بعض (تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ) من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية ، لأن الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه المعنى ، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
