الأكبر (لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) الذين علم استمرارهم عليه ، بل يخذلهم ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم.
(أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠))
ولما كان استمرارهم على الكفر أعجب من ارتدادهم ، أتبعه سببه فقال تعالى : (أُولئِكَ) أي البعداء البغضاء (الَّذِينَ طَبَعَ) أي ختم ختما هو كفيل بالعطب (اللهُ) أي الملك الذي لا أمر لأحد معه (عَلى قُلُوبِهِمْ) ولما كان التفاوت في السمع نادرا ، وحده فقال تعالى : (وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) فصاروا ـ لعدم انتفاعهم بهذه المشاعر ـ كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون (وَأُولئِكَ) أي الأباعد من كل خير (هُمُ الْغافِلُونَ) أي الكاملو الغفلة ؛ ثم أتبع ذلك جزاءهم عليه فقال تعالى : (لا جَرَمَ) أي لا شك (أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ) أي خاصة (الْخاسِرُونَ) أي أكمل الناس خسارة لأنهم خسروا رأس المال وهو نفوسهم ، فلم يكن لهم مرجع يرجعون إليه.
ولما قدم الفاتن والمفتون ، أتبع ذلك ذكر حكمهما على القراءتين فقال تعالى :
بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما عن رتبة من لم يفعل ذلك : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وتخفيف الآصار عنهم في قبول توبة من ارتد بلسانه أو قلبه (لِلَّذِينَ هاجَرُوا) أهل الكفر بالنزوح من بلادهم توبة إلى الله تعالى مما كانوا فيه.
ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان ، أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى مبينا أن الفتنة بالأذى ـ وإن كان بالغا ـ غير قادحة في الهجرة وما تبعها ، فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى (مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا) بالبناء للمجهول ـ على قراءة الجماعة ، لأن المضر هو الفتنة مطلقا ، وللفاعل على قراءة ابن عامر ، أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله حين كانوا كفارا ، أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة الكفر ، أو في الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد إيمانهم (ثُمَّ جاهَدُوا) أي أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم توبة إلى الله تعالى (وَصَبَرُوا) على ذلك إلى أن ماتوا عليه (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بتسخير من هذه صفاتهم لك.
ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك ، وأن يعذب عليها كلها
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
