الأمر الذي هو ضد النهي ، فإنه نتيجة العز الذي هو لازم الكثرة ، ويجوز أن يكون من المؤامرة ، أي أمرناهم بأوامرنا فما امتثلوا وأمرونا بأوامرهم ، أي سألونا ما يريدون فأعطيناهم ذلك استدراجا فأبطرهم نيل الأماني ففسقوا (فَحَقَ) أي وجب وجوبا لا شك في وقوعه (عَلَيْهَا الْقَوْلُ) الذي توعدناهم به على لسان الرسول بمباشرة البعض للفسق وسكوت الباقين على حسب ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب عليه استحق العقاب (فَدَمَّرْناها) أي أهلكنها إهلاكا شديدا بغتة غير مبالين بها فجعلناها كالمدرة المفتتة ، وكان أمرها على عظمتنا هينا ، ولذلك أكد فقال تعالى : (تَدْمِيراً).
(وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١))
ولما قرر أن هذا شأنه إذا أراد أن يهلك ، أخبر أنه فعل ذلك بمن لا يحصيهم العد من القرون ، ولا يحيط بهم الحد من الأمم ، لأن الاعتبار بالمشاهد أوقع في القلب وأهول عند النفس ، فكأنه قال : كم فعلنا ذلك بالقرى ولم نستعجل في إهلاك قرية منهم ولا أخذناهم من غير إنذار ، بل أرسلنا فيهم وأملينا لهم إلى أن كان ما علمناه في الأزل ، وجاء الوقت الذي قدرناه ، وبلغوا في الذنوب ما يستحقون به الأخذ ، ولقد أهلكنا قوم نوح على هذا السنن ، وكانوا أهل الأرض ـ كما مضت الإشارة إليه ووقع التنبيه عليه ، وإهلاكهم كان في إبلاغ أهل الأرض ما أرسلنا به رسلنا من التوحيد لأن ذلك لم يخف على أحد بعدهم ، وعطف على هذا المقدر قوله تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنا) أي بما لنا من العظمة ، وبين مدلول «كم» بقوله تعالى : (مِنَ الْقُرُونِ) على هذا السنن.
ولما كان الإهلاك بعذاب الاستئصال لم يستغرق ما بعده ، أدخل الجار فقال تعالى : (مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) الذي أنتم ذرية من أنجيناه بالحمل معه بذنوبهم أمهلناهم حتى أعذرنا إليهم ثم أخذناهم في مدد متفاوتة ، فكان بعضهم أقصر مدة من بعض وبعضهم أنجيناه بعد أن أحطنا به مخايل العذاب ، وأما من قبل نوح فالظاهر من عبارة التوراة وسكوت القرآن أنهم لم يكونوا كفارا ، وبه صرح كثير من المفسرين في تفسير (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) [البقرة : ٢١٣].
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
