يدل عليه بقوله : (لَعَمْرُكَ) أي وحياتك يا كريم الشمائل ، وأكد لأن الحال قاض في ذاك الحين استبعاد ردهم ، ولتحقيق أن ذلك ضلال منهم صرف وتعنت محض ، فقال : (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ) أي غوايتهم الجاهلية (يَعْمَهُونَ) أي يتحيرون ولا يبصرون طريق الرشد ، فلذلك لا يقبلون قول النصوح ، فإن كان المخاطب لوطا عليهالسلام ، كان ضمير الغيبة لقومه ، وإن كان المخاطب نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وهو الظاهر ـ كان الضمير لقومه ، وكان التقدير أنهم في خبط بعيد عن السنن في طلبهم إتيان الملائكة كما كان قوم لوط عليهالسلام يقصدون الالتذاذ بالفاحشة بمن مكن من هلاكهم ، فشتان ما بين القصدين! وهيهات لما بين الفعلين! فصار المعنى أن ما قذفوك به أول السورة بهم لابك ، لأن من يطلب إتيان الملائكة ـ مع جواز أن يكون حاله حال قوم لوط عليهالسلام عند إتيانهم ـ هو المجنون ؛ والعمر ـ بالفتح : العمر ـ بالضم ، وهو مدة بقاء الشيء حيّا ، لكنه لا يقال في القسم إلا بالفتح لخفته مع كثرة دور القسم ، ولذلك حذفوا الذي تقديره : قسمي ، والسكرة : غمور السهو للنفس.
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩))
ولما تم ذلك ، سبب عن القضاء بقطع دابرهم قوله تعالى : (فَأَخَذَتْهُمُ) أي أخذ انتقام وغلبة (الصَّيْحَةُ) أي التي هي لعظمها وهولها هي الصيحة ، وغيرها عدم بالنسبة إليها ؛ والأخذ : فعل يصير به الشيء في جهة الفاعل ، والصيحة : صوت يخرج من الفم بشدة ؛ وقوله : (مُشْرِقِينَ) أي داخلين في الإشراق ، وهو ضياء الشمس عند بزوغها ، وتبين به أن وقته يسمى صبحا لغة ، فإن الصبح والصبّاح والإصباح أول النهار ، ولعله يطلق عليه إلى وقت الغداء أو الزوال ، أو تكون الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم ، وقلع المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم ؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن الصيحة متعقبا لها فقال : (فَجَعَلْنا عالِيَها) أي مدائنهم (سافِلَها وَأَمْطَرْنا).
ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود عليهالسلام ، لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة ، أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم ـ كما مضى في سورة هود عليهالسلام ـ لأن هذا أصرح ، فقال : (عَلَيْهِمْ) أي أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم (حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) ثم حقق أن ذلك كله شرح لقوله (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم جدا (لَآياتٍ) أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها ، ومن جهة كونه مخالفا لمياه الأرض بالنتن والخباثة ، وعدم
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
