الباهرات ـ : (وَأَنْزَلْنا) أي بما لنا من العظمة (إِلَيْكَ) أي وأنت أشرف الخلق (الذِّكْرَ) أي الكتاب الموجب للذكر ، المعلي للقدر ، الموصل إلى منازل الشرف (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق ، واللسان الذي هو أعظم الألسنة وأفصحها وقد أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد (ما نُزِّلَ) أي وقع تنزيله (إِلَيْهِمْ) من هذا الشرع الحادي إلى سعادة الدارين بتبيين المجمل ، وشرح ما أشكل ، من علم أصول الدين الذي رأسه التوحيد ، ومن البعث وغيره ، وهو شامل لبيان الكتب القديمة لأهلها ليدلهم على ما نسخ ، وعلى ما بدلوه فمسخ.
ولما كان التقدير : لعلهم بحسن بيانك يعملون! عطف عليه بيانا لشرف العلم قوله تعالى : (وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) إذا نظروا أساليبه الفائقة ، ومعانيه العالية الرائقة ، فيصلوا بالفكر فيه ـ بسبب ما فتحت لهم من أبواب البيان ـ إلى حالات الملائكة ، بأن تغلب أرواحهم على أشباحهم فيعلموا أنه تعالى واحد قادر فاعل بالاختيار ، وأنه يقيم الناس للجزاء فيطيعونه رغبة ورهبة ، فيجمعون بين شرفي الطاعة الداعية إليها الأرواح ، والانكفاف عن المعصية الداعية إليها النفوس بواسطة الأشباح.
(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠))
ولما نبه سبحانه على التفكر ، وكان داعيا للعاقل إلى تجويز الممكن والبعد من الخطر ، سبب عنه إنكار الأمن من ذلك فقال تعالى : (أَفَأَمِنَ) أي أتفكروا فتابوا ، أو استمروا على عتوهم؟ أفأمن (الَّذِينَ مَكَرُوا) بالاحتيال في قتل الأنبياء وإطفاء نور الله الذي أرسلهم به ، المكرات (السَّيِّئاتِ أَنْ) يجازوا من جنس عملهم بأن (يَخْسِفَ اللهُ) أي المحيط بكل شيء (بِهِمُ) أي خاصة (الْأَرْضَ) فإذا هم في بطنها ، لا يقدرون على نوع تقلب بمدافعة ولا غيرها ، كما فعل بقارون وأصحابه وبقوم لوط عليهالسلام من قبلهم (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ) على غير تلك الحال (مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ) به في حالة من هاتين الحالتين شعورا ما ، وهم في حال سكون ودعة بنوم أو غفلة (أَوْ يَأْخُذَهُمْ) أي الله بعذابه (فِي) حال (تَقَلُّبِهِمْ) وتصرفهم ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة.
ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من العذاب وكان الأمن
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
