تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨))
ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى ، بقي ما يخص أباهم من ذلك ، فكأنه وقع السؤال عنه فأجيب بقوله : (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي) ولما كان قوله هذا ربما أوقع في أفهامهم قميصه الذي سلبوه إياه ، احترز عن ذلك بقوله : (هذا فَأَلْقُوهُ) أي عقب وصولكم (عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ) أي يرجع إلى ما كان (بَصِيراً) أو يأت إلى حالة كونه بصيرا ، فإنه إذا رد إليه بصره وعلم مكاني لم يصبر عن القصد إليّ لما عنده من وفور المحبة وعظيم الشوق ، وكونه قميصا من ملابس يوسف المعتادة أدخل في الغرابة وأدل على الكرامة ؛ والقميص ألصق الثياب بالجسم ، فإظهار الكرامة به أدل على كمال دين صاحبه وعراقته في أمور الإيمان ، وهو يؤول في المنام بالدين ، وذلك أدخل في كمال السرور ليعقوب عليه الصلاة والسّلام (وَأْتُونِي) أي بأبي وأنتم (بِأَهْلِكُمْ) أي مصاحبين لهم (أَجْمَعِينَ) لا يتخلف منهم أحد ، فرجعوا بالقميص لهذا القصد ، قيل : كان يهوذا هو الذي حمل قميصه لما لطخوه بالدم ، فقال : لا يحمل هذا غيري لأفرحه كما أحزنته ، فحمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما ثمانون فرسخا (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ) من العريش آخر بلاد مصر إلى أول بلاد الشام (قالَ أَبُوهُمْ) لولد ولده ومن حوله من أهله ، مؤكدا لعلمه أنهم ينكرون قوله : (إِنِّي لَأَجِدُ) أي لأقول : إني لأجد (رِيحَ يُوسُفَ) وصدهم عن مواجهته بالإنكار بقوله : (لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) أي لقلت غير مستح ولا متوقف ، لأن التفنيد لا يمنع الوجدان ، وهو كما تقول لصاحبك : لو لا أن تنسبني إلى الخفة لقلت كذا ، أي إني قائل به مع علمي بأنك لا توافقني عليه ، «وفصل» هنا لازم يقال : فصل من البلد يفصل فصولا ، والفصل : القطع بين الشيئين بحاجز ، والوجدان : ظهور من جهة إدراك يستحيل معه انتفاء الشيء ، والريح : عرض يدرك بحاسة الأنف أي الشم ، والتفنيد : تضعيف الرأي بالنسبة إلى الفند ، وهو الخوف وإنكار العقل من هرم ، يقال : شيخ مفند ، ولا يقال : عجوز مفندة ، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي فيفندها كبرها ؛ ثم استأنف حكاية جوابهم فقال : (قالُوا) أي السامعون له ما ظنه بهم ، مقسمين بما دل على تعجبهم ، وهو (تَاللهِ) أي الملك الأعظم ، وأكدوا لمعرفتهم أنه ينكر كلامهم وكذا كل من يعرف كماله (إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ) أي بحيث صار ظرفا لك (الْقَدِيمِ) أي خطئك في ظن
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
