رتبتهم بقوله : (مِنْ دُونِهِ) أي الله (لا يَسْتَجِيبُونَ) أي لا يوجدون الإجابة (لَهُمْ) أي الكافرين (بِشَيْءٍ) والاستجابة : متابعة الداعي فيما دعا إليه بموافقة إرادته (إِلَّا كَباسِطِ) أي إلا إجابة كإجابة الماء لباسط (كَفَّيْهِ) تثنية كف ، وهو موضع القبض باليد ، وأصله من كفه ـ إذا جمع أطرافه (إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ) أي الماء (فاهُ) دون أن يصل كفاه إلى الماء ـ بما دل عليه التعدية ب «إلى» ، فما الماء بمجيب دعاءه في بلوغ فيه (وَما هُوَ) أي الماء (بِبالِغِهِ) أي فيه ، فللكافرين بذلك دعوة الباطل كما أن الماء جماد لا يحس بدعوة هذا فلا يجيبه ، فأصنامهم كذلك.
ولما كان دعاؤهم منحصرا في الباطل ، قال في موضع «وما دعاؤهم» مظهرا تعميما وتعليقا للحكم بالوصف : (وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ) أي الساترين لما دلت عليه أنوار عقولهم بمعبوداتهم أو غيرها (إِلَّا فِي ضَلالٍ) لأنه لا يجد لهم نفعا ، أما معبوداتهم فلا تضر ولا تنفع ، وأما الله فلا يجيبهم لتضييعهم الأساس.
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥))
ولما كانت دعوة الأمر واضحة السبل جلية المناهج في جميع كتبه ، وكلها إلى الناظرين وبين دعوة الحكم بقوله : (وَلِلَّهِ) أي الملك الأعلى (يَسْجُدُ) أي يخضع وينقاد ويتذلل كما بين عند قوله (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) [هود : ١١٩](مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لجميع أحكامه النافذة وأقضيته الجارية (طَوْعاً) والطوع : الانقياد للأمر الذي يدعى إليه من قبل النفس (وَكَرْهاً) قال الرازي رحمهالله : والكافر في حكم الساجد وإن أباه لما به من الحاجة الداعية إلى الخضوع ، واعلم أن سجود كل صنف هو تذلله وتسخره وانقياده لما أريد له ، فكل موجود جماد وحيوان عاقل وغير عاقل وروحاني وغير روحاني مسخر لأمر من له الخلق والأمر ؛ وقال الشيخ محيي الدين النووي رضي الله عنه في شرح المهذب : أصله ـ أي السجود ـ الخضوع والتذلل ، وكل من تذلل وخضع فقد سجد ، وسجود كل موات في القرآن طاعته لما سخر له ـ هذا أصله في اللغة ، ثم قيل لمن وضع جبهته في الأرض : سجد ، لأنه غاية الخضوع.
ولما كانت الظلال مسخرة لما أراد سبحانه ، لا قدرة لأحد على تغيير ذلك بوجه ، قال : (وَظِلالُهُمْ) أي أيضا تسجد له بامتدادها على الأرض ، تقصر تارة بارتفاع الشمس وتطول أخرى بانحطاطها ، لا يقدرون على منع ظلالهم من ذلك حيث يكون لهم ظلال ، وذلك (بِالْغُدُوِّ) جمع غداة ، وهي البكرة : أول النهار (وَالْآصالِ) جمع أصيل ، دائما في جميع البلاد ، وفي وسط النهار في بعض البلاد ؛ والظل : ستر الشخص ما بإزائه ، والفيء : الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه ، والأصيل : العشيّ ما بين العصر إلى المغرب ـ كأنه أصل الليل الذي ينشأ منه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
