استغفر ، والثاني لمن أصر ، وعرف من ذلك أن المتقين إنما دخلوا الجنة بعفوه ، والغاوين إنما عذبوا بعدله ، فهو لف ونشر مشوش ـ على ما هو الأفصح.
ولما أتم سبحانه شرح قوله : (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) وما تبعه من الدلالة على البعث ، شرع في شرح (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) بقصة الخليل عليهالسلام وما بعدها مع الوفاء بذكر المعاد ، تارة تلويحا وتارة تصريحا ، والزجر عن الاجتراء على طلب الإتيان بالملائكة عليهمالسلام ، والالتفات إلى قوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) [إبراهيم : ٣٩] في أسلوب شارح لما تعقبه هذه القصة ، فإن حصول القنوط سبب لآية المغفرة ، والإخبار بعذاب الأمم تمثيل لآية العذاب ليزدجر المخاطبون ، وأفرد لهم ذكر من هو أقرب إلى بلادهم ممن يعرفونه من المعذبين لأنه أوقع في النفس ، فقال تعالى : (وَنَبِّئْهُمْ) أي خبرهم إخبارا عظيما (عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) والضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى ، فهؤلاء سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف ، فهو من دلالة التضمن (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ) أي إبراهيم عليهالسلام (فَقالُوا) أي عقب الدخول (سَلاماً.)
ولما كان طلبهم في هذه الصورة للملائكة على وجه أوكد مما في سورة هود عليهالسلام ، أشار لهم إلى ما في رؤية الملائكة من الخوف ولو كانوا مبشرين وفي أحسن صورة من صور البشر ـ بقوله : (قالَ) بلسان الحال أو القال : (إِنَّا) أي أنا ومن عندي (مِنْكُمْ وَجِلُونَ) وأسقط ذكر جوابه بالسلام ، ولا يقدح ذلك فيما في سورة هود وغيرها من ذكره ، فإن إذ ظرف زمان بمعنى حين ، والحين قد يكون واسعا ، فيذكر ما فيه تارة جميعه على ترتيبه ، وأخرى على غير ذلك ، وتارة بعضه مع إسقاط البعض مع صدق جميع وجوه الإخبار لكونه كان مشتملا على الجميع ، وتكون هذه التصرفات على هذه الوجوه لمعان يستخرجها من أراد الله.
(قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨))
ولما أخبر أنه أخبرهم بوجله منهم ، تشوف السامع إلى جوابهم فقال : (قالُوا) مريدين أمنه : (لا تَوْجَلْ) والوجل : اضطراب النفس لتوقع ما يكره ؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين لقلع ما في نفسه من الوجل المنافي للبشرى (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ) أي ولد
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
