أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١))
ولما نهوا رسولهم عن الإشعار بهم عللوا ذلك فقالوا : (إِنَّهُمْ) أي أهل المدينة (إِنْ يَظْهَرُوا) أي يطلعوا عالين (عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) أي يقتلوكم أخبث قتلة إن استمسكتم بدينكم (أَوْ يُعِيدُوكُمْ) قهرا (فِي مِلَّتِهِمْ) إن لنتم لهم (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً) أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها ، لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة (أَبَداً) أي فبعثوا أحدهم فنظر الأزكى وتلطف في الأمر ، فاسترابوا منه لأنهم أنكروا ورقه لكونها من ضرب ملك لا يعرفونه فجهدوا به فلم يشعر بهم أحدا من المخالفين ، وإنما أشعر بهم الملك لما رآه موافقا لهم في الدين لأنه لم يقع النهي عنه (وَكَذلِكَ) أي فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم ، والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر الزمان ، وتعاقب الحدثان ، ومثل ما فعلنا بهم ذلك (أَعْثَرْنا) أي أظهرنا إظهارا اضطراريا ، أهل البلد وأطلعناهم ، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر إليه فيعرفه ، فكان العثار سببا لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب (عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا) أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر الأجساد لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط (أَنَّ وَعْدَ اللهِ) الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معا (حَقٌ) لأن قيامهم بعد نومهم نيفا وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين «علمك باليقظة بعد النوم علم بالبعث بعد الموت ، والبرزخ واحد غير أن للروح بالجسم في النوم تعلقا لا يكون بالموت ، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه».
ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى : (وَأَنَ) أي وليعلموا أن (السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) مبينا أنها ليست موضع شك أصلا لما قام عليها من أدلة العقل ، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل ، ومن طالع تفسير (الزيتون) من كتابي هذا حصل له هذا ذوقا ؛ ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب وتنازع فقال : (إِذْ) أي ليعلموا ذلك ، وأعثرنا حين (يَتَنازَعُونَ) أي أهل المدينة.
ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون بين الأجانب ، وكان تنازع هؤلاء مقصورا عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى : (بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) أي أمر أنفسهم في
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
