والمعرض بخلاف سياق الملك فإنه للمعرض فقط ، فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك (إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ) أي مذللات للطيران بما أقامهن الله فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره (فِي جَوِّ السَّماءِ) في الهواء بين الخافقين بما لا تقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول ، فعلم قطعا ما وصل بذلك من قوله : (ما يُمْسِكُهُنَ) أي في الجو عن الوقوع.
ولما كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة ، ولهم وقع عظيم في قلوب الناس ، عبر بالاسم الأعظم ، إشارة إلى أنه لا يقوى على رد شبههم إلا من أحاط علما بمعاني الأسماء الحسنى ، فكان متمكنا من علم أصول الدين فقال : (إِلَّا اللهُ) أي الملك الأعظم ، لأن نسبتكم وإياها إلى الطبيعة واحدة ، فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم ؛ ثم نبههم على ما في ذلك من الحكم بقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي الأمر العظيم من إخراجكم على تلك الهيئة ، والإنعام عليكم بما ليس لها ، وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع نقصها عنكم (لَآياتٍ) ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه ، قال تعالى : (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أي هيأهم الفاعل المختار للإيمان.
(وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١))
ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق ، وأتبعه ما منّ به على الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر ، أتبعه ما يسكنون إليه فيظلهم ويجمعهم لأنه أهم الأشياء للحيوان ، فقال تعالى : (وَاللهُ) أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الشاملة (جَعَلَ لَكُمْ) أي أيها الغافلون (مِنْ بُيُوتِكُمْ) أصل البيت المأوى ليلا ثم اتسع فيه (سَكَناً) هو مصدر بمعنى مفعول ، ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم ؛ ثم أتبع ما يخص الحضر ما يصلح له وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيرها من سائر الحيوانات ، فقال تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ) أي إنعاما عليكم (مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ) التي سلطكم عليها.
ولما كانت الخيام ، التي من جلود الأنعام ، في ظلها الظليل تقارب بيوت القرى ، جمعها جمعا فقال تعالى : (بُيُوتاً) فإنهم قالوا : إن هذا الجمع بالمسكن أخص ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
