المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه ـ نبه على ذلك الإمام أبو حيان ، وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال : إن هذا قول المحققين من المفسرين ، وأشبع في إقامة الدلائل على هذا بما يطرب الأسماع ، وقدم ما يدل على جواب الشرط ليكون أول ما يقرع السمع ما يدل على أنه كان في غاية القدرة على الفعل ، وأنه ما منعه منه إلّا العلم بالله ، فكأنه قيل : إن هذا التثبيت عظيم ، فقيل إشارة إلى أنه لازم له كما هو شأن العصمة : (كَذلِكَ) أي مثل ذلك التثبيت نثبته في كل أمر (لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ) أي الهمّ بالزنا وغيره (وَالْفَحْشاءَ) أي الزنا وغيره ، فكأنه قيل : لم فعل به هذا؟ فقيل (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا) أي الذين عظمناهم بما لنا من العظمة (الْمُخْلَصِينَ) أي هو في عداد الذين هم خير صرف ، لا يخالطهم غش ، ومن ذريتهم أيضا ، وهذا مع قول إبليس (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص : ٨٣] شهادة من إبليس أن يوسف عليه الصلاة والسّلام بريء من الهمّ في هذه الواقعة ؛ قال الإمام : فمن نسبه إلى الهمّ إن كان من أتباع دين الله فليقبل شهادة الله ، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبل شهادة إبليس بطهارته ، قال : ولعلهم يقولون : كنا تلامذة إبليس ثم زدنا عليه ـ كما قيل :
|
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى |
|
من الأمر حتى صار إبليس من جندي |
|
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده |
|
طراييق فسق ليس يحسنها بعدي |
(وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩))
ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغته في الامتناع بالجد في الهرب دليلا على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلا فقال : (وَاسْتَبَقَا الْبابَ) أي أوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما ، هذا للهرب منها ، وهذه لمنعه ، فأوصل الفعل إلى المفعول بدون «إلى» ، دليلا على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق ، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى الله ، ولكن عاقه إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة ، فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه ، وهو ما كان من ورائه خوف فواته ، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
