انتهى. والكهل ـ قال أهل اللغة ـ مأخوذ من : اكتهل النبات ـ إذا تم طوله قبل أن يهيج ، وكلام الفقهاء لا يخالفه ، فإن مبناه العرف ، فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ممنوع من أعدائه إذا قصدوه ، وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة.
ولما كانت رتبة الصلاح في غاية العظمة قال مشيرا إلى علو مقدارها : (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) ومعلما بأنها محيطة بأمره ، شاملة لآخر عمره ، كما كانت مقارنة لأوله ، وكأنها لما سمعت ذلك امتلأت تعجبا فاستخفها ذلك إلى الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن (قالَتْ رَبِ) أيها المحسن إلى (أَنَّى) أي من أين وكيف (يَكُونُ لِي) ولما كان استبعادها لمطلق الحبل ، لا بقيد كونه ذكرا كما في قصة زكريا عليهالسلام قالت (وَلَدٌ) وقالت : (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط. قال الحرالي : والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته ، من معنى البشرة ، وهو ظاهر الجلد انتهى (ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليهالسلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ الفهم بأن (قالَ كَذلِكِ) أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالي الرتبة يكون ما بشرتك به) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلا عبر في تعليل ذلك بالخلق فقال : (اللهُ) أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه (يَخْلُقُ) أي يقدر ويصنع ويخترع (ما يَشاءُ) فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليهالسلام من جعل الشيخ كالشاب ، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال : (إِذا قَضى أَمْراً) أي جل أو قل (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) بيانا للكلمة ، فلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفا علي (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ) بالياء كما قبله في قراءة نافع وعاصم ، وبالنون في قراءة الباقين نظرا إلى العظمة إظهارا لعظمة العلم : (وَيُعَلِّمُهُ) أو يكون مستأنفا فيعطف على ما تقديره : فنخلقه كذلك ونعلمه (الْكِتابَ) أي الكتابة أو جنس الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب وحفظه وفهمه وغير ذلك من أمره (وَالْحِكْمَةَ) أي العلوم الإلهية لتفيده تهذيب الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر أحد على نقض شيء مما يبرمه.
ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلا لأسرار الكتب الإلهية قال : (وَالتَّوْراةَ) أي التي تعرفينها (وَالْإِنْجِيلَ) بإنزاله عليه تاليا لهما ، وتأخيره في الذكر يفيد تعظيمه بأن ما قبله مقدمات لتلقيه ؛ ولا يصح عطفه على : فيكون ، لأنه في حيز الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي بهذه الأوصاف كلها.
ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
