بالضد ، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك ـ ولو مسح ـ عن الاحتياج إلى التطهير بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ ـ والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال (عِيسَى) وبين أنه يكون منها وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك : (ابْنُ مَرْيَمَ) وذلك أنفى لما ضل به من ضل في أمره ، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس الكلمة وبإبهامه أولا ثم تفسيره ، وقوله : (اسْمُهُ) تعظيم لقدره وبيان لفضله على يحيى عليهماالسلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر ، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالا دالة على أنه يظهر اتصافه بها حال الولادة تحقيقا لظهور أثر الكلمة عليه فقال : (وَجِيهاً) قال الحرالي : صيغة مبالغة مما منه الوجاهة ، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ظاهر فيه ـ انتهى. (فِي الدُّنْيا) ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال : (وَالْآخِرَةِ) ولما كانت الوجاهة ثمّ مختلفة ذكر أعلاها عاطفا بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال : (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي عند الله.
ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال : (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ) أي من كلمه من جميع هذا النوع ، بأي لسان كان كلمه ، حال كونه (فِي الْمَهْدِ) قال الحرالي : هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون والهدو قوامه ـ انتهى. وبشرها بطول حياتها بقوله : (وَكَهْلاً) أي بعد نزوله من السماء في خاتمة اليوم المحمدي ، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت.
قال الحرالي : والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان ، وتحقيق حده أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير عمره ، يكون فيمن عمره ألف شهر ـ بضع وثمانون سنة ـ من حد نيف وأربعين إلى بضع وستين ، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صبا ، وإحدى وعشرون شبابا ، وإحدى وعشرون كهولة ، وإحدى وعشرون شيوخة ، فذلك بضع وثمانون سنة ـ انتهى. وهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة ، وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي (١) في الباب الرابع عشر من كتابه فقه اللغة : ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب ، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين ؛ ويقال : شاب الرجل ، ثم شمط ، ثم شاخ ، ثم كبر ـ
__________________
(١) هو الإمام اللغوي عبد الملك بن محمد الثعالبي صاحب كتاب «فقه اللغة» وهو مطبوع ، وله ثلاثة تفاسير إلا أنه كحاطب ليل كتبه مشحونة بالأحاديث الموضوعة مات سنة ٤٣٠.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
