حق الله الذي سموه له تركوه له ، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه (١) ، قال : وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم ؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرنا معمر عن قتادة قال : كانوا يعزلون من أموالهم شيئا فيقولون : هذا لله وهذا لأصنامهم ، فإن ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم يخالط شيئا مما جعلوه ردوه ، وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئا مما جعلوه لشركائهم تركوه ، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما جعلوا لشركائهم ، فقال عزوجل (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) وقال البغوي : كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا وللأوثان نصيبا ، فما جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين ، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها ، فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا ، وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان وقالوا : إنها محتاجة ، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به ، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله.
ولما كان هذا متضمنا لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل فجعلوها لمن لا يستحقها ، نبه تعالى على أن ذلك تزيين من أضلهم من الشياطين من سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام وغيرهم ، فقال منبها على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه (وَكَذلِكَ) أي ومثل ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم (زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.)
ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت إليه ، فكان امتثال قوله غريبا ، وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد غرابة ، قدمه تنبيها على ذلك فقال : (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ) أي بالوأد خشية الإملاق والنحر لآلهتهم ، وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ويخلقه وبين من لا يكون إلا سببا في إعدامه ؛ ولما كان في هذا غاية الغرابة تشوفت النفس إلى فاعل التزيين فقال : (شُرَكاؤُهُمْ) أي وهم أقل منهم بما يخاطبون به من أجواف الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام.
ولما كان هذا أمرا معجبا ، كان الأمر في قراءة ابن عامر المولود في زمان النبي صلىاللهعليهوسلم المشمول ببركة ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة الموصوف بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في إسناد الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب ، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ـ وهو الأولاد ـ لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب.
__________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ١ / ٢٨.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
