رزانة صاحبه ، ومنه الأرجوحة لأن كلّا من طرفيها يرجح بالآخر ، ويرجع إلى المنع الحجر بمعنى العقل وبمعنى الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل أو الولد ، والحجر في المال ، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد عنك ـ ولو قدر باع ـ امتنع منك ، وكان التأنيث فيه لقربه ، ويرجع إلى الشخوص الحرج للناقة الطويلة ؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني رحمهالله في كتابه «المحتسب في توجيه القراءات الشواذ» عند قوله تعالى في هذه السورة «وحرث حرج» فيمن قرأ بتقديم الراء : إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع ، وإذا أنعمت النظر وتركت الملل والضجر وجدت الأمر كما قال ـ والله أعلم ـ نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة وبقيته ، وكله إلى التماسك والضيق ، ومنه الحرج للضيق والجرح مثله ، والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله ، ومنه الحجر وبابه لضيقه ، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه ، ومنه رجح الميزان ـ لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعا بينه وبينها ، فإن قلت : فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر؟ قيل : كلامنا على الراجح والراجح هو الذي إلى الأرض ، فأما الآخر فلا يقال له : راجح ، وإذا ثبت ذلك ـ وقد ثبت ـ فكذلك قوله تعال ى (وَحَرْثٌ) حرج في معنى حجر ، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلّا من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم ـ انتهى.
ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه ، وإن وصل إليه شيء منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكا فنكصت ، وهكذا لا تزال في اضطراب وتردد أبدا ؛ كانت ترجمته قوله : (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ) أي يتكلف هذا الشخص في قبول الهداية الصعود (فِي السَّماءِ) في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن ، بما أشار إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد ، فكلما أصعدته حركته الاختيارية أهبطته حركته الطبيعية القسرية ، كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئا ثقيلا ويصعد به في جدار أملس ، فيصير يتكلف ذلك فيقع ، ثم يتكلف الصعود أيضا فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط ، وربما سقط دونه ، فهو مما يمتنع عادة ، فلا يزال مرتجسا أي مضطربا ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي.
ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه ، وكان الرجس في الأصل لما يستقذر ، والمستقذر ينفر منه ، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالا ، وهو أن يقال : هل هذا ـ وهو جعل الضال على هذه الصفة ـ خاص بأهل هذا الزمان ، أجيب بما حاصله : لا ، (كَذلِكَ) أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان (يَجْعَلُ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
