رواية : الفوت (وَمَنْ يُرِدْ) أي الله ، ولم يظهر هنا إشارة إلى أن الضلال على مقتضى الطبع (أَنْ يُضِلَّهُ) أي يخلق الضلال ويديمه في قلبه (يَجْعَلْ صَدْرَهُ) أي الذي هو مسكن قلبه الذي هو معدن الأنوار (ضَيِّقاً حَرَجاً) أي شديد الضيق فيكون مرتجسا أي مضطربا ، روي أن عمر رضي الله عنه أحضر أعرابيا من كنانة من بني مدلج فقال له : ما الحرجة؟ فقال : شجرة لا تصل إليها وحشية ولا راعية ، وساق البغوي القصة ولفظه : وقال : الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء ـ ثم اتفقا ـ فقال عمر رضي الله عنه : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الإيمان والخير (١) ؛ وزاد البغوي : يقال سيبويه : الحرج ـ بالفتح المصدر ، ومعناه : ذا حرج ، وبالكسر الاسم وهو أشد الضيق ، وقال المهدوي : هنا الحرج الشديد الضيق وقد تقدم القول فيه ، وقال في النساء في قوله تعالى (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) [النساء : ٦٥] أي ضيقا ، وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد : إنه الشك ، وقول الضحاك : إنه الإثم ، كأنه ضيق شك أو ضيق إثم ؛ وقال النحاس : (حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) أي شكا وضيقا ، وأصل الحرج الضيق ـ انتهى. وتحقيق ذلك أن الآية هنا فيها ـ بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل دون فاعل ـ تأكيد آخر إما بالمصدر أو باسم الفاعل ، فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه ، فمعنى الفتح : ضيقا ـ بكسر الضاد وإسكان الياء ومعناه ـ إن كسرت حرجا ـ ضيقا بإعادة اسم الفاعل ، ومادة حرج بخصوص هذا الترتيب تدور على المكان الضيق الكثير الشجر ، ويلزمه الشخوص على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع والشدة والحيرة والحر والبرد ، وهي ـ بأي ترتيب كان وهي خمسة : حرج جحر رجح حجر جرح ـ تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف ، ويلزمه الثقل والمنع والحدة والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق ، فيرجع إلى الصلابة الحرج بمعنى الضيق ، والحرجة للغيضة ، ولحرج للقلادة من الودع ، والحرجوج للريح الشديدة الباردة ، والناقة الحرجوج للوقادة القلب ، ويجوز رجوعها إلى الحدة ، والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره ، ولضيقه عن أسرّة الأحياء ، ومنه أيضا جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض ، ويرجع إلى الثقل الحرج بمعنى الإثم ، وينشأ عن ذلك البعث المفضي إلى الحيرة ، ومنه حرجت عينه ، أي حارت فلا تطرف ، ويلزم الثقل أيضا الجرح بمعنى الطعن النافذ في البدن ، ومن ذلك اجترح ـ إذا اكتسب مالا ، لأنه من آثاره ، ومنه الرجحان بمعنى الثقل ، والحكم الراجح الذي يوجب
__________________
(١) موقوف. أخرجه الطبري ١٣٨٦٥ وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ كما في الدر ٣ / ٨٤ (الأنعام : ١٢٥) عن أبي الصلت الثقفي أن عمر بن الخطاب ... فذكره.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
