لا يتم معه مراد القائل ، ولا ينفذ فيه كلام الآمر لمنع من هو أقوى منه ، أخبر أنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، تصريحا بما أفهم مطلع الآية من التمام ، وأظهر موضع الإضمار تعميما وتبركا وتلذيذا فقال : (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) أي من حيث إنها كلماته مطلقا من غير تخصيص بنوع ما ، بل كل ما أخبرت به فهو كائن لا محالة ، رضي من رضي وسخط من سخط.
ولما كان المغير لشيء إنما يتم له ما يريد من التغيير بكون المغير عليه لا يعلم الأسباب المنجحة لما أراد ليحكمها ، والموانع العائقة ليبطلها ، قال عاطفا على ما تقديره : فهو العزيز الحكيم : (وَهُوَ) أي لا غيره (السَّمِيعُ) أي البالغ السمع لجميع ما يمكن سمعه من الأقوال والأفعال (الْعَلِيمُ) أي البالغ العلم لجميع ذلك ، فهو إذن الكامل القدرة النافذ الأمر في جميع الأسباب والموانع ، فلا يدع أحدا يغير شيئا منها وإن دلس أو شبه.
ولما أجاب عن شبهات الكفار ، وبين صحة نبوته عليهالسلام ، شرع في الحث على الإعراض عن جهل الجهال ، والإقبال على ذي الجلال ، فكان التقدير : فإن أطعته فيما أمرك به اهتديت إلى صراط الله الذي يتم لك بسلوكه جميع ما وعدك به ، عطف عليه قوله : (وَإِنْ تُطِعْ) ولما كانت أكثر الأنفس متقيدة بالأكثر ، أشار إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل مخلد إلى التقليد فقال : (أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) أي توجد طاعتك لهم في شيء من الأوقات بعد أن علمت أن أكثرهم إنما يتبع الهوى ، وأن أكثرهم فاسقون لا يعلمون لا يشكرون (يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي المستجمع لصفات الكمال ؛ ثم علل ذلك بقوله : (إِنْ) أي لأنهم ما (يَتَّبِعُونَ) في أمورهم (إِلَّا الظَّنَ) أي كما يظن هؤلاء جهلا أن آباءهم كانوا على الحق.
ولما كان أكثر من يجزم بالأمور بما دعاه إليه ظنه كذبا ، وكان الخارص يقال على الكاذب والمخمن الحازر ، قال : (وَإِنْ هُمْ) أي بصميم ضمائرهم (إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي يجزمون بالأمور بحسب ما يقدرون ، فيكشف الأمر عن أنها كذب ، فيعرف الفرق بينك وبينهم في تمام الكلام ونفوذه نفوذ السهام ، أو تخلفه عن التمام ونكوصه كالسيف الكهام ، فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل.
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩))
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
