ولما كان التقدير : فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون حقيقته بتفصيله والعجز عن مثيله ، عطف عليه قوله : (وَالَّذِينَ) ويجوز أن يكون جملة حالية (آتَيْناهُمُ) أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من الباطل (الْكِتابَ) أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور (يَعْلَمُونَ) أي لما لهم من سوابق الأنس بالكتب الإلهية (أَنَّهُ مُنَزَّلٌ.)
ولما تقدم ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون إلا مع التفرد بالكمال ، وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان ، لم يضمر بل قال : (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع الفضائل (بِالْحَقِ) أي الأكمل لما عندهم به من البشائر في كتبهم ولما له من موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور ، مع ما يزيد به على كتبهم من التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية والإعجاز بكل آية.
ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم ، ويقولون للمشركين : إنهم أهدى سبيلا ، بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه ، أو أن الأمر ملبس عليهم ، سبب عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج والإلهاب : (فَلا تَكُونَنَ) أي انف نفيا مؤكدا جدا أن تكون في وقت ما (مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي العاملين عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له وإظهارهم لما يوهم خلافه ؛ وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار ـ تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في الكتمان ، كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها ؛ وقال أبو حيان : قال مشركو قريش لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود ، وإن شئت من أساقفة النصارى ، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت.
ولما دل على كونه حقا من عند الله بعلم أهل الكتاب صريحا وأهل اللسان تلويحا ، دل عليه بوجه آخر شهودي ، وهو أنه ما قال شيئا إلا كان على وفق ما قال ، وأنه لم يستطع ـ ولا يستطيع أحد ـ منع شيء مما أخبر به ولا تعويقه ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر بقوله تعالى مظهرا في موضع الإضمار ، لتذكيره صلىاللهعليهوسلم بما له سبحانه من الإحسان ، والتنبيه على ما يريد به من التشريف والإكرام : (وَتَمَّتْ) أي نفذت وتحققت (كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها (صِدْقاً) أي لا يقدر أحد أن يبدي في شيء منها حديثا بتخلف ما عن مطابقة الواقع.
ولما كان الصدق غير مناف للجور ، قال : (وَعَدْلاً) ولما كان الصدق العدل قد
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
