هُوَ) لأن المقام للتوحيد اللازم للإحاطة بأوصاف الكمال التي هي معنى الحمد المفتتح به السورة ، وساق قوله : (خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الذي هو مطلع ما بعده مساق التعليل دليلا على ذلك ، فلما أقام الدليل سبب عنه الأمر بالعبادة فقال : (فَاعْبُدُوهُ) أي وحده ، لأن من أشرك به لم يعبده ، لأنه الغنى المطلق ، ومن كان له الغنى المطلق لا يحسن أن يقبل مشركا ، وختم الآية بقوله : (وَهُوَ) ولما كان المقام لنفي احتياجه إلى شيء ، قدم قوله : (عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) إشارة إلى أن الولد أو الشريك إنما يحتاجه العاجز المفتقر ، وأما هو فهو القادر ، ومن سواه عاجز ، وهو الغني ومن سواه فقير ، فكيف يحتاج القدير الغني إلى العاجز الفقير ، هذا ما لا يكون ، ولا ينبغي أن يتخيله الظنون ، وفيه إشارة إلى أن العابد ينبغي أن يتفرغ لعبادته ويقطع أموره عن غير وكالته ، فإنه يكفيه بفضله عمن سواه.
ولما كان كل والد وكل شريك لا بد أن يكون مجانسا لولده وشريكه بوجه ، وصل بذلك من وصفه ما اقتضاه المقام من تنزيهه ، فقال : (لا تُدْرِكُهُ) أي حق الإدراك بالإحاطة (الْأَبْصارُ) أي أن من جعلتموه ولده أو شريكه هو مدرك بأبصاركم كعيسى وعزير عليهماالسلام والأوثان والنجوم والظلمة والنور ، وأما الملائكة والجن فإن كان حكمكم عليهم بذلك عن مشاهدة فهم كمن تقدمهم ، وإن كان عن إخبار فهو عن الأنبياء ليس غير ، وكل منهم مخبر بأنهم عباد الله كغيرهم ، وأنه منزه عن شريك وولد ، وهذه كتبهم وصحاح أخبارهم شاهدة بذلك ، ووراء ذلك كله أنهم بحيث يدركون بالأبصار في الجملة ، ليس إدراكهم مستحيلا ، وأما هذا الإله العزيز فهو غير مدرك لكم بالبصر كما يدرك غيره إدراكا تاما ، فيتأمله ناظره فيزنه وينقده بالخبرة بما فيه من رضى وغضب وغيرهما ، بما أبدته الفراسة وأوضحه التوسم ، لأنه سبحانه متعال عن أن يحاط به ، هذا على أنه من عموم السلب ، وإن كان من سلب العموم فالمعنى أنه عزيز لا يراه كل أحد ، بل يراه الخواص إذا أراد فكشف لهم الحجاب وأوجد لهم الأسباب (وَهُوَ) مع ذلك يدرككم ، بل و (يُدْرِكُ) ما لا تدركونه من أنفسكم (الْأَبْصارُ) وهي القوى المودعة في عصبة العين لتدرك بها المبصرات (وَهُوَ اللَّطِيفُ) عن أن يحيط به الأبصار ، لأنه يمنع الأسباب عن أن ينشأ عنها مسبباتها ، ويوجد أدق الأسباب وأغربها ، فلا يستغرب عليه إدراك المعاني لأنه الذي أوجدها (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) [الملك : ١٤] وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء (الْخَبِيرُ) أي المحيط بالأبصار ، فإحاطته بأصحابها أجدر ، ويتحقق معنى الاسمين لتحقق المعنى ؛ قال الحرالي في شرح الأسماء : اللطف إخفاء التوسل إلى الشيء بإظهار ما يضاده ، ولا يتم إلا بخبرة ، ولذلك
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
