نظم باسمه (الْخَبِيرُ) لأنه أخفى حكمته في ظاهر يضادها ، فاللطف مخبرة في حكمة ، وباسمه تعالى اللطيف أقام أمر حكمته ما بين الدنيا والآخرة ، وبذلك أقام أمر أهل ولايته في الدنيا لما جمع لهم من أمره فيها ، فيبدو عزهم من وراء ذل ، ويتراءى ذلهم ومن دونه عز ، فيسبق عزهم إلى القلوب مع تذللهم في الحواس ، ويؤول محسوسهم إلى عز في عقبى الدنيا ، ومبادرة الآخرة مع تأنس القلوب بهم ، (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) [يوسف : ١٠٠] لما أراد أن يملكه مصر وجعل وسيلة ذلك استبعاده بها ، وبحصول معناه بتمام الخبرة والحكمة ـ وتلك إبداء الشيء في ضده ـ يتضح اختصاصه بالحق ، فهو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ، فهو تعالى اللطيف الذي لا لطيف إلا هو ، ثم قال : الخبرة إدراك خبايا الأشياء وخفاياها بحيث لا يبدو منه خبيثة أمر إلا كان إدراك الخبير سابقا لبدوها ، وذلك لا يتم إلا لمبديها الذي هو يخرج خبأها ، وهو الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ، ومخبرة الخلق لا بد فيها من إظهار باد ينبىء عن الخبء بمقتضى التجربة ، وإلّا لم يصح لهم الخبرة ، كما قيل : مخبرة المرء فيما يبدو من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله ، والخبير الحق خبير بالشيء دون باد يرى الظاهر خبيثة أمره ، فهو بالحقيقة الذي لا خبير إلّا هو ـ انتهى.
ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته ، وختمها بهذا الدليل المحسوس الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه وأباه ، وهو متناه عن أن يدركه ، أي يحيط به أحد ، ناسب أن يعظهم ويمدح الأدلة حثا على تدبرها ، وجعل ذلك على لسان نبيه صلىاللهعليهوسلم إشارة إلى أنه ـ لنور قلبه وكمال عقله وصفاء لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه واستقامة غرائزه وبعد مدى همته عن أن ينسب إلى جور أو يرمى بعناد ـ حقيق بأن يقول بعد إقامتها من غير تلعثم تقريرا لأمر دعوته بعد تقرير المطالب العالية الإلهية : (قَدْ جاءَكُمْ.)
ولما كانت الآيات ـ لقوتها وجلالتها التي أشار إليها تذكير الفعل ـ توجب المعرفة فتكون سببا لانكشاف الحقائق الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات ، قال : (بَصائِرُ) أي أنوار هي لقلوبكم بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم (مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم بكل إحسان ، فلا إحسان أصلا لغيره عندكم ، فاصعدوا عن النظر بالأبصار إلى الاعتبار بالبصائر ، ولا تهبطوا في حضيض التقليد إلى أن تصلوا إلى حد لا تفهمون معه إلا ما يحس بالأبصار بل ترقوا في أوج المعرفة إلى سماوات الاجتهاد وجرّدوا لقطاع الطريق صوارم البصائر ، فإنكم إن رضيتم بالدون لم تضروا إلا أنفسكم ، وإن نافستم في المعالي
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
