ذلك ـ كما ترى ـ دليل على ما أخبرت به الآية قبلها من أن الأمر كله لله ، أي إنكم كلكم مشتركون في وضوح الأمر في أنه لا منصرف إلا إليه وقد افترقتم فصدق بعض وكذب آخرون ، فلو أن الأمر موقوف على وضوح الدلالة فقط كان الكل على نهج واحد ، هذا ونقل أبو حيان عن الفراء أنه قال : للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان : أحدهما أن تسأل الرجل : أرأيت زيدا ، أي بعينك ، فهذه مهموزة ، وثانيهما أن تقول : أرأيت ، وأنت تريد : أخبرني ، فههنا تترك الهمزة إن شئت ، وهو أكثر كلام العرب ، وتومىء إلى ترك الهمزة للفرق بين المعنيين ؛ ثم قال أبو حيان : وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني نص عليه سيبويه وغيره من أئمة العرب ، وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب ، لأن أخبرني يتعدى بعن ، وأ رأيت متعد لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع المفعول الثاني ؛ وقال في سورة يونس عليهالسلام : تقدم في سورة الأنعام أن العرب تضمن أرأيت معنى أخبرني وأنها تتعدى إذ ذاك إلى مفعولين ، وأن المفعول الثاني أكثر ما يكون جملة استفهام ، ينعقد منها ومما قبلها مبتدأ وخبر ، يقول العرب : أرأيت زيدا ما صنع؟ المعنى : أخبرني عن زيد ما صنع! وقبل دخول أرأيت كان الكلام : زيد ما صنع ـ انتهى. قلت : وحقيقة المعنى كما مر : هل رأيت زيدا؟ فلما استفهم عن رؤيته ـ والمراد الخبر لا البصر ـ علم أن السؤال عن بعض أحواله ، فكأنه قيل : ما له؟ فقيل : ما صنع؟
ولما كان استفهام الإنكار بمعنى النفي ، كان كأنه قيل : لا تدعون غيره ، فعطف عليه قوله : (بَلْ إِيَّاهُ) أي خاصة (تَدْعُونَ) أي حينئذ ؛ ولما كان يتسبب عن دعائهم تارة الإجابة وأخرى غيرها قال : (فَيَكْشِفُ) أي الله في الدنيا أو في الآخرة ، فإنه لا يجب عليه شيء ، ولا يقبح منه شيء (ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ) أي إلى كشفه (إِنْ شاءَ) أي ذلك تفضلا عليكم كما هي عادته معكم في وقت شدائدكم ، ولكنه لا يشاء كشفه في الآخرة ، لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما يشاء ، ولو كان يجيبكم دائما وأنتم لا تدعون غيره ، لكان ذلك كافيا في الدلالة على اعتقادكم أنه لا قادر إلا هو ، فكيف وهو يجيبكم في الدنيا إذا دعوتموه تارة ويجيبكم أخرى ، ومع ذلك فلا يردكم عدم إجابته عن اعتقاد قدرته ودوام الإقبال عليه في مثل تلك الحال لما ركز في العقول السليمة والفطر الأولى من أنه الفاعل المختار ، وعلى ذلك دل قوله عطفا على (تَدْعُونَ) : (وَتَنْسَوْنَ) أي تتركون في تلك الأوقات دائما (ما تُشْرِكُونَ) أي من معبوداتكم الباطلة لعلمكم أنها لا تغني شيئا ، كما هي عادتكم دائما في أوقات الشدائد رجوعا إلى حال الاستقامة. أفلا يكون لكم هذا زاجرا عن الشرك في وقت الرخاء خوفا من إعادة الضراء!
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
