(يَجْعَلْهُ) وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء فقال : (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) بأن يخلق الهداية في قلبه ـ ومن يهد الله فما له من مضل ومن يضلل الله فما له من هاد ، مع أن الكل عباده وخلقه ، متقلبون في نعمه ، غادون رائحون في بره وكرمه ـ إن في ذلك على وحدانيته وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون.
ولما كانت هذه الآية ـ بما فيها من التصريح بالتكذيب ـ شديدة الاعتناق لقوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) [الأنعام : ٢١ و ٩٣] وقوله (كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ) [الأنعام : ٥] الآيتين رجع بالذي بعدها إلى فذلكة التفاصيل الماضية وواسطة عقدها وفريدة درها ، وهو التوحيد الذي أبانته الأدلة قبل الآيتين ، فقال دالا على اعتقادهم القدرة التي استلزم نعتهم بطلب الآية نفيها ، واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به ، بيانا لأنهم في الظلمات مقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجبا منهم : (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة عنادا وشهد أن مع الله آلهة أخرى ، وعدل بالله الذي يعلم السر والجهر ، وهو مع من يدعوه في كل سماء وكل أرض بعنايته ونصره.
ولما كانت حقيقة (أَرَأَيْتَكُمْ :) هل رأيتم أنفسكم ، وكان هذا لكونه سؤالا عن معلوم لا يجهله أحد ـ مشيرا إلى أن السؤال عن غيره مما قد يخفى من أحوال النفس ، كان كأنه قيل : عز أيّ أحوال نفوسنا نسأل؟ فقيل تنبيها لهم على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي يصير في العلم به كالسؤال عن رؤية النفس سواء : (إِنْ أَتاكُمْ) أي قبل مجيء الساعة كما أتى من قبلكم (عَذابُ اللهِ) أي المستجمع لمجامع العظمة ، فلا يقدر أحد على كشف ما يأتي به (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) أي القيامة بما فيها من الأهوال.
ولما عجب منهم بما مضى ـ كما مضى ، قال مجيبا للشرط موبخا لهم منكرا عليهم عدم استمرارهم على دعائه ولزوم سؤاله وندائه ، ويجوز أن يكون جواب الشرط محذوفا تقديره : من تدعون؟ ثم زادهم توبيخا وتبكيتا بقوله : (أَغَيْرَ اللهِ) أي الملك الذي له العظمة كلها (تَدْعُونَ) أي لشدة من تلك الشدائد ، ولا تدعون الله مع ذلك الغير (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي في أن غير الله يغني شيئا حتى يستحق الإلهية ، وجواب الشرط محذوف تقديره : فادعوا ذلك الغير ، وهذه حجة لا يسعهم معها غير التسليم ، فإن عادتهم كانت مستمرة أنهم إذا اشتد الأمر وضاق الخناق لا يدعون غير الله ولا يوجهون الهمم إلا إليه ، فإن سلكوا سبيل الصدق الذي له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا : لا ندعو غيره ، فقد لزمتهم الحجة في أنه لا يعدل به شيء ولا شريك له ، وإن عاندوا نطق لسان الحال أنهم على محض الضلال ، وإن سكتوا أثبت عليك الخطاب ، وهي مع
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
