بصرى ليوصله إليه ، فعظم كتاب النبي صلىاللهعليهوسلم وقبله وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صلىاللهعليهوسلم وأنه سيغلب على ملكه ، فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا ، فخافهم فقال : إنما أردت أن أجربكم (١) ، ثم لم يقدر الله له الإسلام ، فأزال الله حكمه عن الشام وكثير من الروم على يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، ثم عن كثير من الروم أيضا على يد من بعدهم ، ومكن بها الإسلام ، لكن أثابه الله على تعظيم كتاب النبي صلىاللهعليهوسلم بأن أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى الآن ، وبلغني أن الكتاب محفوظ عندهم إلى هذا الزمان ؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدي رضي الله عنه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ـ وقال القضاعي : المنذر بن أبي شمر عامل قيصر على تخوم الشام ـ ثم إلى جبلة بن الأيهم الغساني ، فأما الحارث أو المنذر فغضب من الكتاب وهمّ بالمسير إلى النبي صلىاللهعليهوسلم ليقاتله ، زعم فنهاه عن ذلك قيصر ، فأكرم شجاعا ورده وأسلم حاجبه مري الرومي بما عرف من صفة النبي صلىاللهعليهوسلم في الإنجيل ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم «باد ملك الحارث ، وفاز مري» (٢) فقلّ ما لبث الحارث حتى مات ، وولي بعده في مكانه جبلة بن الأيهم الغساني ، وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام ، فرد إليه النبي صلىاللهعليهوسلم شجاع بن وهب رضي الله عنه ، فرد على النبي صلىاللهعليهوسلم ردا جميلا ولم يسلم ، واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة عمر رضي الله عنه لما رأى من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك ، ثم إنه ارتد ـ ولحق ببلاد الروم ـ في لطمة أريد أن يقتص منه فيها ، (٣) فسبحان الفاعل لما يشاء! وبعث عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كسرى ملك الفرس ، وأمره أن يدفع الكتاب إلى
__________________
(١) هذا وما قبله هو بعض كلمات من حديث طويل أخرجه البخاري ٧ ومسلم ١٧٧٣ وابن حبان ٦٥٥٥ والبيهقي في الدلائل ٤ / ٣٨٠ واللالكائي في أصول الاعتقاد ٢٤٥٧ وأحمد ١ / ٢٦٣ من حديث ابن عباس عن أبي سفيان في خبر لقائه مع هرقل ، وصدره عند مسلم : قال أبو سفيان : انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فبينا أنا بالشام ، إذ جيء بكتاب من رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى هرقل ، قال : وكان دحية الكلبي جاء به ، فدفعه إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل ... وفيه : قال هرقل لأبي سفيان : إن كان ما تقول فيه حقا ، فإنه نبي ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أكن أظنه منكم ، ولو أني أعلم أني أخلص إليه ، لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، وليبلغنّ ملكه ما تحت قدمي ، ... الحديث والسياق لمسلم.
وعجزه عند البخاري : «فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلّقت ، ثم اطلع ، فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد ، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلّقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان. قال : ردوهم عليّ ، وقال : إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم ، فقد رأيت ، فسجدوا له ، ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل ا ه.
(٢) هذا الخبر ورد في السيرة الحلبية ٣ / ٣٥٣ وهو في طبقات ابن سعد ١ / ٢٠٠ بنحوه.
(٣) انظر طبقات ابن سعد ١ / ٢٠٣.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
