معروف للإعجاز ، وبني للفاعل في السواد : (وَأُوحِيَ إِلَيَ) وحقق الموحى به وشخّصه بقوله : (هذَا الْقُرْآنُ) ولما كان في سياق التهديد قال مقتصرا على ما يلائمه : (لِأُنْذِرَكُمْ) أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك (بِهِ وَمَنْ) أي وأنذر به كل من (بَلَغَ) أي بلغه ، قال الفراء : والعرب تضمر الهاء في صلات «الذي» و «من» و «ما». وقال البخاري في آخر الصحيح : (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ) يعني أهل مكة ، ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير (١) علقه بصيغة الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه. وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : بلغوا عن الله ، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله (٢). وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي صلىاللهعليهوسلم هل بعث إلى الجن ـ ومن خطه نقلت : الكتاب والسنة ناطقان بذلك ، والإجماع قائم عليه ، لا خلاف بين المسلمين فيه ؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفصل (٣) وغيرهم ثم قال : أما الكتاب فآيات إحداها (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) قال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلىاللهعليهوسلم ، وقال ابن عباس ـ فذكره ، وقال السدي : من بلغ القرآن فهو له نذير ، وقال ابن زيد : من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره. وهذه كلها أقوال متفقة المعنى ، وقد أمر نبيه صلىاللهعليهوسلم أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه ، ولم يخص إنسا ولا جنا من أهل التكليف ، ولا خلاف أن الجن مكلفون ـ انتهى. وسيأتي مما ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهمالسلام ، فالمعنى : فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح ، ومن كذب فليأت بسورة من مثله ، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب ، وهو شهادة الله لي بالصدق ، ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلىاللهعليهوسلم ، بل استمرت على مرّ الأيام وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث ، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلىاللهعليهوسلم «ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم
__________________
(١) موقوف. ذكره البخاري ١٣ / ٥٢٢ عن ابن عباس بدون إسناد. ووصله الطبري في تفسير ١٣٢٨.
(٢) مرسل جيد. أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٧٨٢ ومن طريقه ابن جرير ١٣١٢٢ عن قتادة مرسلا وإسناده إلى قتادة صحيح فهو مرسل جيد.
(٣) كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل ، للإمام ابن حزم علي بن أحمد الظاهري ، ذكر فيه نبذة عن اليهود والنصارى وطوائفهم ، وذكر الفرق الإسلامية مع رد شديد اللهجة على المخالفين.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
