تابعا يوم القيامة» (١) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك ، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : أما وجد الله رسولا غيرك؟ ما نرى أحدا يصدقك بما تقول ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر ، فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم ، فأنزلها الله (٢).
ولما لم يبق لمتعنت شبهة ، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته ـ وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مرقّى إليه ، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان (٣) ـ مساق استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيما لشأنه وتفخيما لمقامه وتنبيها لهم على أن يبعدوا عن الشرك فقال : (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ) أي الذي حاز جميع العظمة (آلِهَةً).
ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا حين سمعوه صلىاللهعليهوسلم يقول : «يا الله يا رحمن» كما سيأتي إن شاء الله تعالى آخر الحجر وآخر سبحان (٤) ، صرح بالمقصود على وجه لا يحتمل النزاع فقال : (أُخْرى) ولما كان كأنه قيل : إنهم ليقولون ذلك ، فماذا يقال لهم؟ قال : (قُلْ لا أَشْهَدُ) أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل ، ولو كان حقا لشهدت به.
ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه ، اجتثّه من أصله وبرمته بقوله : (قُلْ إِنَّما هُوَ) أي الإله (إِلهٌ واحِدٌ) وهو الله الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء ، لأنه واحد لا كفوء له ، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس.
ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم ، صرح به في قوله مؤكدا في جملة اسمية : (وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعادا من تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئا منها وليا ، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد ، ولقد امتثل صلىاللهعليهوسلم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن ، فلما استراح عن حرب قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية ،
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٩٨١ ومسلم ١٥٢ من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ.
(٢) هذا الخبر ذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٦٠ بلا إسناد عن الكلبي من قوله ، والكلبي هو محمد بن السائب عالم في التفسير إلا أنه واه في الحديث بل اتهمه بعضهم ، ولم يتابع على ما ذكره من كونه سببا لنزول الآية. والله أعلم.
(٣) هو اسم زحل بالفارسية.
(٤) هي سورة الإسراء ، تسمى أيضا سورة بني إسرائيل.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
