ولما كان فعل المنهي قد لا يعذب عليه ، قال معلما بأن المخالفة في هذا من أبلغ المخالفات ، فصاحبها مستحق لأعظم الانتقام ، وكل ذلك فطما لهم عن الطمع فيه ، وأكده لذلك ولإنكارهم مضمونه : (قُلْ إِنِّي) ولما كان المقام للخوف ، قدمه فقال : (أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ) أي شيء مما تريدون مني أن أوافقكم فيه بما أمرت به أو نهيت عنه (رَبِّي) أي المحسن إليّ (عَذابَ يَوْمٍ) ولما كان عظم الظرف بعظم مظروفه قال : (عَظِيمٍ).
ولما كان قد قدم من عموم رحمته ما أطمع الفاجر ثم أيأسه من ذلك بما أشير إليه من الخسارة ، صرح هنا بما اقتضاه ذلك المتقدم ، فقال واصفا لذلك العذاب مبينا أن الرحمة في ذلك اليوم على غير المعهود الآن ، فإنها خاصة لا عامة دائمة السبوغ على من نالته ، لا زائلة وكذا النعمة ، هكذا شأن ذلك اليوم (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ) أي ذلك العذاب ؛ ولما كان المراد دوام الصرف في جميع اليوم ، قال : (يَوْمَئِذٍ) أي يوم إذ يكون عذاب ذلك اليوم به (فَقَدْ رَحِمَهُ) أي فعل به بالإنعام عليه فعل المرحوم (وَذلِكَ) أي لا غيره (الْفَوْزُ) أي الظفر بالمطلوب (الْمُبِينُ) أي الظاهر جدا ، ومن لم يصرف عنه فقد أهانه ، وذلك هو العذاب العظيم.
ولما كان التقدير : فإن يصرف عنك ذلك العذاب فقد قرت عينك ، عطف عليه دليلا آخر لأنه لا يجوز في العقل أن يتخذ غيره وليا ، فقال معمما للحكم في ذلك العذاب وغيره مبينا أنه لا مخلص لمن أوقع به : (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ) أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ؛ ولما كان المقام للترهيب ، قدم قوله : (بِضُرٍّ) أي هنا أو هناك (فَلا كاشِفَ لَهُ) أصلا بوجه من الوجوه (إِلَّا هُوَ) أي لأنه لا كفوء له ، فهو قادر على إيقاعه ، ولا يقدر غيره على دفاعه ، لأنه على كل شيء قدير (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ) أي في أي وقت أراد.
ولما كان القياس على الأول موجبا لأن يكون الجزاء : فلا مانع له ، كان وصفه من صفة قوله (فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي من ذلك وغيره (قَدِيرٌ) ولا يقدر غيره على منعه ، منبها على أن رحمته سبحانه سبقت غضبه.
__________________
ــ ابن عمر قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت طل رمحي ، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم». إسناد حسن ، رجاله كلهم ثقات ، سوى عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. قال عنه الحافظ في التقريب : صدوق يخطىء وتغير بآخره ا ه لكن توبع فقد أخرجه الطحاوي في المشكل ١ / ٨٨ عن الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي ، عن ابن عمر مرفوعا ، وهذه متابعة حسنة ، والوليد صرح بالتحديث ، فزالت شبهة التدليس.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
