السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وقيل : قريبه السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخروم. وقيل : ابنه عبد الله بن السائب ـ والله أعلم ؛ وله عن أبي رجاء ـ هو العطاردي وهو مخضرم ـ قال : «كنا في الجاهلية إذا أصبنا حجرا حسنا عبدناه ، وإن لم نصب حجرا جمعنا كثبة من رمل ، ثم جئنا بالناقة الصفي (١) فنفاج (٢) عليها فنحلبها على الكثبة حتى نرويها ، ثم نعبد تلك الكثبة ما أقمنا بذلك المكان» (٣) وفيه أيضا إيماء إلى أنه كما خلقكم كلكم من طين على اختلافكم في المقادير والألوان والأخلاق وهو غني عنكم ، فكذلك خلق المطعومات على اختلاف أشكالها وطعومها ومنافعها وألوانها من طين ، وجعلها منافع لكم وهو غني عنها ، وسيأتي التصريح بذلك في قوله : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام : ٩٩] المستوفي في مضماره (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) [الأنعام : ١١٨] وفي الآية كلها التفات إلى قوله أول السورة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام : ١] وقوله في التي قبلها (وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ) [المائدة : ٨١] في أمثالها مما فيه تولي الكفار لغير خالقهم سبحانه وتعالى ، هذا لو لم يرد أمر من قبل الخالق كان النظر السديد كافيا في التنزه عنه ، كما كنت قبل النبوة لا ألتفت إلى أصنامكم ولا أعتبر للعبادة شيئا من أنصابكم ، فكيف وقد أمرت بذلك! وهو معنى (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ) أي من جهة من له الأمر ، ولا أمر إلا له وهو من تقدم أن له كل شيء ، وهو الله وحده (أَنْ أَكُونَ) أي بقلبي وقالبي (أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) في الرتبة مطلقا ، وفي الزمان بالنسبة إلى الأمة.
ولما كان الأمر بالإسلام نهيا عن الشرك ، لم يكتف به ، بل صرح به جمعا بين الأمر والنهي من هذا الرب الكريم الذي يدعو إحسانه وكرمه إلى ولايته ، وينهى تمام ملكه وجبروته عن شيء من عداوته ، في قوله عطفا على (قُلْ) على وجه التأكيد : (وَلا تَكُونَنَ) أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات أصلا (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم ، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه صلىاللهعليهوسلم في سؤالهم أن يطرد بعض أتباعه ليوالوه ، ونحو ذلك مما كانوا يرجون مقاربته منهم به ، إعلاما بأن فعل شيء مما يريدون مصحح للنسبة إليهم والكون في عدادهم «من تشبه بقوم فهو منهم» (٤).
__________________
(١) الصفي : الكثيرة الألبان.
(٢) نفاج عليها : أي نفرق بين رجليها.
(٣) أخرجه الدارمي ٣ عن أبي الرجاء بهذا اللفظ.
(٤) حسن. أخرجه أحمد ٢ / ٥٠. ٩٢ وابن أبي شيبة ٧ / ١٥٠ والهروي في ذم الكلام ٢ / ٥٤ من حديث
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
