الزائغة ، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين ، وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة ، وأن تعلّمه واجب على الفور لنزولها جملة ، بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح ، ولنزولها ليلا دليل على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا ، وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة الغفلات ، أولو الألباب أهل الخلوات ، والأرواح الغالبة على الأبدان وهم قليل. (بِسْمِ اللهِ) الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات الكمال (الرَّحْمنِ) الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ما حيّر لعمومه الأفهام ، فضاقت به الأوهام (الرَّحِيمِ) الذي حبا أهل الإيمان بنور البصائر حتى كان الوجود ناطقا لهم ، بالإعلام بأنه الحي القيوم السّلام. (الْحَمْدُ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال (لِلَّهِ).
لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليهالسلام لجلاله في ذلك اليوم في ذلك الجمع ، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة ، إذ الحمد هو الوصف بالجميل ؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقا ثابتا دائما قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه ، لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال ـ على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة ـ فأتى بهذه الجملة الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على الاستغراق ، إما بأن اللام له عند الجمهور ، أو بأنها للجنس ـ كما هو مذهب الزمخشري ، ويؤول إلى مذهب الجمهور ، فإن الجنس إذا كان مختصا به لم يكن فرد منه لغيره ، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده ، فمتى وجد فرد منه لغيره كان الجنس موجودا فيه فلم يكن الجنس مختصا به وقد قلنا : إنه مختص ، وهذا التحميد صار بوصفه فردا من أفراد تحميد الفاتحة تحقيقا لكونها أمّا ، وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله : (الَّذِي خَلَقَ).
ولما كان تعدد السماوات ظاهرا بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطوء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند أهله :
جمعها فقال : (السَّماواتِ) أي على علوها وإحكامها ، قدمها لما تقدم قريبا (وَالْأَرْضَ) أي على تحليها بالمنافع وانتظامها.
ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم المجعول بنفسه قال : (وَجَعَلَ) أي أحدث وأنشأ لمصالحكم (الظُّلُماتِ) أي الأجرام المتكاثفة كما تقدم (وَالنُّورَ) وجمع الأول تنبيها على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى ، وقد تقرر بهذا
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
