ما افتتح به السورة ، لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو المختص بجميع المحامد ، ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن له شريك ، لا ثاني اثنين ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك ، وما أحسن ختمها ـ بعد الإشارة إلى هذه المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء ـ بقوله : (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد جرّد نفسه من الهوى ، وعالج أدواءه بأنفع دواء ، لإحاطته بجميع صفات الكمال ، وزاد الأمر تقبيحا عليهم بإبدال ما كان الأصل في الكلام من الضمير بقوله : (بِرَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم الذي لم يروا إحسانا إلا منه (يَعْدِلُونَ) أي يجعلون غيره ممن لا يقدر على شيء معادلا له مع معرفتهم به بأنه الذي أبدع الأشياء ، كفرا لنعمته وبعدا من رحمته ، فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه من السماء كالنجوم ، أو من الأرض كالأصنام ، أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من الأعراض وهو خلقه كالنور والظلمة ، والحال أن تقلباتهما تدل بأدنى النظر على أمرين : الأول بعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما (قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) [الأنعام : ٧٦] ، والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث لإيجاد كل منهما بعد إعدامه كما هو شأن البعث ـ إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار ، وتقديم الظلمة مناسب لسياق العادلين ، والتعبير بثم للتنبيه على ما كان ينبغي لكل راو لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب ، فقد لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره ، وما أنسب ذلك بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لملكه جميع الملك ، وهو على كل شيء قدير ، وهذه السورة أول السور الأربع المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت النعم الأربع التي اشتملت عليها الفاتحة ، وكل سورة منها مشيرة إلى نعمة من النعم الأربع ، فقوله : (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) ـ الآية ثم (خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) ثم (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) [الأنعام : ٣٨] ـ الآية ، متكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره المشار إليه في الفاتحة برب العالمين كما تقدم.
ولما تكفلت السور المتقدمة بالرد على مشركي العرب واليهود والنصارى مع الإشارة إلى إبطال جميع أنواع الشرك ، سيق مقصود هذه السورة في أساليب متكفلة بالرد على بقية الفرق ، وهم الثنوية من المجوس القائلون بإلهين اثنين وبأصلين : النور والظلمة ، ويقرون بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فقط ، والصابئة القائلون بالأوثان
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
