سؤاله ـ وهو المحيط علما بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر ـ عما كفر به النصارى ، فلذلك قال تعالى عاطفا على قوله إذا (قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ) [المائدة : ١١٠] (وَإِذْ قالَ اللهُ) أي بما له من صفات الجلال والجمال مشيرا إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء : (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) وذلك تحقيقا لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتا لمن ضل فيه من النصارى وإنكارا عليهم (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل ، وكأنه عبر بذلك لزيادة التوبيخ لهم ، لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب ، فكأنه لا ناس غيرهم (اتَّخِذُونِي) أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى في الله بأن تأخذوني (وَأُمِّي إِلهَيْنِ).
ولما كانت عبادة غير الله ـ ولو كانت على سبيل الشرك ـ مبطلة لعبادة الله ، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء ، ولا يرضى الشرك إلا فقير ، قال : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ، فيكون المعنى : اتخذوا تألهنا سلما تتوصلون به إلى الله ، ويجوز أن يكون المعنى على المغايرة ، ولا دخل حينئذ للمشاركة.
ولما كان من المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك ، صرح به هنا توبيخا لمن أطراه ، وتأكيدا لما عندنا من العلم ، وتبجيلا له صلىاللهعليهوسلم بما يبدي من الجواب ، وتفضيلا بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق الصواب ، بل بذل الجهد في الوفاء بالعهد ، وتقريعا لمن قال ذلك عنه وهو يدعي حبه واتباعه عليهالسلام وتخجيلا لهم ، فلما تشوفت لجوابه الأسماع وأصغت له الآذان ، وكان في ذكره من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه ، ذكره سبحانه قائلا : (قالَ) مفتتحا بالتنزيه (سُبْحانَكَ) أي لك التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص ، ودل بالمضارع على أن هذا القول لا يزال ممنوعا منه فقال : (ما يَكُونُ لِي) أي ما ينبغي ولا يصح أصلا (أَنْ أَقُولَ) أي في وقت من الأوقات (ما لَيْسَ لِي) وأغرق في النفي كما هو حق المقام فقال : (بِحَقٍّ).
ولما بادر عليهالسلام إعظاما للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل عنه ، أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في الجواب عنه : أنت أعلم ، وإنما أجاب بما تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى تبكيت من ادّعاه له ، فقال دالا على أنه لم يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن المقام للخضوع : (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ) أي مطلقا للناس أو حدثت به نفسي (فَقَدْ عَلِمْتَهُ) وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة وتفويض الأمر كله إلى رب العزة ؛ ثم علل الإخبار بعلمه بما هو من خواص الإله فقال : (تَعْلَمُ) ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات ، وكان القول يطلق على النفس ،
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
